- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَلَا يَدُلُّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ الَّذِي فِيهِ: ((فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَو لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَو لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً)) أَنَّ النَّهْيَ لَا يَخْتَصُّ بِذَوَاتِ الأَرْوَاحِ (١)؟
الجَوَابُ:
ظَاهِرُهُ يَدُلُّ، وَلَكِنَّهُ حَقِيقَةً لَيسَ بِمَقْصُودٍ بِالنَّهْي، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ عِدَّةِ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّ ذِكْرَ الذَّرَّةِ وَالحَبَّةِ وَالشَّعِيرَةِ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّحَدِّي وَذَلِكَ بِعَجْزِ المُصَوِّرِينَ عَنِ الخَلْقِ مُطْلَقًا، وَهُوَ الإِيجَادُ مِنَ العَدَمِ حَتَّى لِأَحْقَرِ الأَشْيَاءِ، فَخَلْقُهُم هُوَ مُجَرَّدُ تَغْيِيرٍ مِنْ شَكْلٍ إِلَى شَكْلٍ، فَمَهْمَا صَوَّرُوا فَتَصْوِيرُهُم نَاقِصٌ قَاصِرٌ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَالحَقُّ: أَنَّهُ خِطَابُ تَعْجِيزٍ لَا تَكْلِيفٍ" (٢).
٢ - دِلَالَةُ أَحَادِيثِ النَّهْي الأُخْرَى عَلَى تَعْذِيبِ مَنْ صَوَّرَ ذَاتَ الرُّوحِ مِثْلَ: ((مَنْ صَوَّرَ صُورَة فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيسِ بِنَافِخٍ))، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: ((كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ)) (٣).
٣ - حَدِيثُ جِبْرِيلَ وَفِيهِ: ((فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي البَيتِ يُقْطَعُ؛ فَيَصِيرُ كَهَيئَةِ الشَّجَرَةِ)) (٤) مِمَّا يَدُلُّ أَنَّهُ إِذَا صَارَ التِّمْثَالُ عَلَى هَيئَةِ شَجَرَةٍ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ (٥).
(١) وَإِلى ذَلِكَ ذَهَبَ مُجَاهِدٌ وَحْدَهُ ﵀، كَمَا نَقَلَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٣٩٥) عَنِ القَاضِي عِيَاضٍ ﵀.وَالأَثَرُ مُخَرَّجٌ في مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ (٢٥٢٩٣) عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: (أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَوَّرَ الشَّجَرُ المُثْمِرُ).قُلْتُ: وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مُتَّجَهٌ عَنْهُ ﵀ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.(٢) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٩٤).(٣) البُخَارِيُّ (٢٢٢٥)، وَمُسْلِمٌ (٢١١٠).(٤) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤١٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٥٦).(٥) وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ (أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ زَوجَهَا فِي بَعْضِ المَغَازِي، فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تُصَوِّرَ فِي بَيتِهَا نَخْلَةً؛ فَمَنَعَهَا، أَو نَهَاهَا) فَهُوَ ضَعِيفٌ. ابْنُ مَاجَه (٣٦٥٢). ضَعِيفُ سُنَنِ ابْنِ مَاجَه (٣٦٥٢).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.