وَعَلَيهِ إِذَا انْتَفَتْ عِلَّةُ المُضَاهَاةِ -جَدَلًا- فَمَا زَالَتْ هُنَاكَ عِلَلٌ أُخْرَى لِلنَّهْي بَاقِيَةٌ.
٣ - دَعْوَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ حَبْسٍ لِلظِّلِّ! فُيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ تَغْيِيرَ اللَّفْظِ لَا يُغَيِّرُ حَقِيقَةَ المَعْنَى، فَإِذَا كَانَ حَبْسُ الظِّلِّ تَنْتُجُ عَنْهُ الصُورَةُ؛ فَهُوَ إِذًا تَصْوِيرٌ، وَهُوَ كَقَولِنَا عَنِ الرَّسْمِ اليَدِوِيِّ أَنَّهُ مُجَرَّدُ نَقْلٌ مِنَ الوَاقِعِ -أَوِ الخَيَالِ- إِلَى الوَرَقِ، أَو مُجَرَّدُ شَفٍّ لِلصُورَةِ المَخْلُوقَةِ إِلَى الوَرَقِ، أَو مُجَرَّدُ تَحْرِيكٍ لِلفُرْشَاةِ عَلَى اللَّوحَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا مَفَادُهُ تَغْيِيرُ الأَلْفَاظِ لِلخُرُوجِ مِنَ الأَحْكَامِ!
٤ - أَنَّ كَونَ أَصْلِ الصُورَةِ المُصَوِّرَةِ هِيَ خَلْقُ اللهِ تَعَالَى أَو صُنْعُهُ المُبَاشَرُ؛ لَا يُخْرِجُ الفَاعِلَ عَنْ كَونِهِ قَدْ أَخْرِجَ صُورَةً! فَإِنْ سُمِّيَ نَاسِخًا أَو مُصَوِّرًا فَلَا فَرْقَ، وَإِلَّا فَمَا وَجْهُ النَّهْي عَنِ التَّصْوِيرِ عُمُومًا فِي الأَحَادِيثِ -كَحَدِيثِ ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي)) - وَقَدْ عُلِمَ أَصْلًا أَنَّ المُصَوِّرَ إِنَّمَا يُقَلِّدُ الصُّورَةَ المَخْلُوقَةَ للهِ تَعَالَى؟! فَإِنْ أَخْرَجَهَا بِيَدِهِ رَسْمًا أَوْ بِالآلَةِ؛ فَكِلَاهُمَا يَنْقُلُ عَنْ أَصْلٍ مَخْلُوقٍ مَوجُودٍ.
وَعَلى كُلِّ حَالٍ؛ فَالصُورَةُ هِيَ فِعْلُ المُصَوِّرِ لُغَةً وَشَرْعًا وَعُرْفًا،
أَمَّا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ فَالصُورَةُ فِعْلُ المُصَوِّرِ (١)،
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ؛ فَقَدْ سَبَقَ فِي الحَدِيثِ: ((مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ
=الكَنِيسَةِ الَّتِي كَانَتْ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ التَّصَاوِيرِ؛ وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ: ((كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ؛ أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ)) فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي ذَلِكَ الشَّرْعِ مَا أَطْلَقَ عَلَيهِ ﷺ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ شَرُّ الخَلْقِ! فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ صُوَرِ الحَيَوَانِ فِعْلٌ مُحْدَثٌ أَحْدَثَهُ عُبَّادُ الصُّوَرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ".(١) قَالَ فِي المُعْجَمِ الوَسِيطِ (١/ ٥٢٨): "التَصْوِيرُ: نَقْشُ صُورَةِ الأَشْيَاءِ أَوِ الأَشْخَاصِ عَلَى لَوحٍ أَو حَائِطٍ أَو نَحْوِهِمَا بِالقَلَمِ أَو بِالفُرْجُونِ أَو بِآلَةِ التَصْوِير، وَالتَّصْوِيُر الشَّمْسِيُّ: أَخْذُ صُورَةِ الأَشْيَاءِ بِالمُصَوِّرَةِ الشَّمْسِيَّةِ".قُلْتُ: وَالفُرْجُونُ هُوَ المِحَسَّةُ: وَهُوَ مِشْطٌ لَهُ أَسْنَانٌ لِلتَنْظِيفِ، وَهُوَ بِمَعْنَى فُرْشَاةِ الرَّسْمِ هُنَا، وَاللهُ أَعْلَمُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.