قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ اللَّعِبَ بِالنَّرْدِ حَرَامٌ، وَنَقَلَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي اللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى إِبَاحَتِهِ؟ لِأَنَّهُ يُسْتَعَانُ بِهِ فِي أُمُورِ الْحَرْبِ وَمَكَائِدِهِ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: أَنْ لَا تُؤَخَّرَ بِسَبَبِهِ صَلَاةٌ عَنْ وَقْتِهَا، وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ قِمَارٌ، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ حَالَ اللَّعِبِ عَنِ الْفُحْشِ وَالْخَنَا وَرَدِيءِ الْكَلَامِ، فَمَتَى لَعِبَ بِهِ وَفَعَلَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ كَانَ سَاقِطًا لِلْمُرُوءَةِ وَمَرْدُودَ الشَّهَادَةِ، وَمِمَّنْ ذهب إلى إباحته: سعيد بن جبير وَالشَّعْبِيُّ، وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ كَرَاهِيَةَ تَنْزِيهٍ، وَذَهَبَ جَمَاعَاتٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى تَحْرِيمِهِ كَالنَّرْدِ، وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ الشِّطْرَنْجِ فِي أَحَادِيثَ، لَا أَعْلَمُ لِشَيْءٍ مِنْهَا إِسْنَادًا صَحِيحًا وَلَا حَسَنًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ- رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ الْبَلْقِينِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- وَأَعَادَ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ، وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْتُ-: لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَقَدْ كَرِهَهُ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَمَنْ يَقُولُ بِالتَّحْرِيمِ يَسْتَدِلُّ لَهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى النَّرْدِشِيرِ الَّذِي جَاءَ فِي الْخَبَرِ مَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ الشِّطْرَنْجَ، فَقَالَ: مَا هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ والقياس مردود بأن النرد لَيْسَ فِيهِ الْفِكْرَةُ الَّتِي فِي الشِّطْرَنْجِ مِنَ الأمور التي يعرفها الْحُذَّاقُ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ: إِذَا سَلِمَ الْمَالُ مِنَ الْخُسْرَانِ، وَاللِّسَانُ مِنَ الْبُهْتَانِ، وَالصَّلَاةُ مِنَ النِّسْيَانِ فَهُوَ أُنْسٌ بَيْنَ الْخِلَّانِ، فَلَا يوصف بين الْحِرْمَانِ وَأَمَّا الْإِكْبَابُ عَلَيْهِ فَقَدْ جَعَلَهُ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ حَرَامًا، وَجَعَلَهُ آخَرُونَ مُسْقِطًا لِلْمُرُوءَةِ، والصحيح أنه ليس بحرام ولا مسقط للمروءة إِلَّا إِذَا كَانَ اللَّعِبُ عَلَى الطَّرِيقِ مِمَّنْ لا يليق به ذلك، والآثار في ذاك عن بعض الصحابة مروية في السنن للبيهقي، وَجَاءَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ كَانَ يَلْعَبُهُ اسْتِدْبَارًا، قَالَ: وَقَدْ بَسَطْتُ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي تَصْحِيحِ الْمِنْهَاجِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ فَلْيَنْظُرْ مِنْهُ، فَإِنَّهُ كَافٍ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الشهادات.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.