للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

ويتكلم معهم كلامَ مَنْ لم يصدر منهم له وفي حقه إلا الإحسان، ويُهَوّن هذا الأمر أن هذا خُلُقٌ مَنْ ظَفِر به وحَازَه فقد فاز بالحظ العظيم، وأن لصاحبه عند الله المقامات العالية والنعيم المقيم، ويُهَوّنه أنه يعالج أممًا قد طُبِعوا على أخلاق إزالتها وقَلْعُها أصعب مِنْ قَلْع الجبال الرواسي، ومرنوا على عقائد ومذاهب بذلوا فيها الأموال والأرواح، وقدموها على جميع المهمات عندهم، أفَتظن مع هذا أن أمثال هؤلاء يقتنعون بمجرد القول بأن هذه مذاهب باطلةٌ وأقوال فاسدة، أم تحسبهم يغتفرون لمن نالها بسوء؟! كلا والله.

إن هؤلاء يحتاجون إلى معالجات متنوعة بالطرق التي دعت إليها الرسل، يُذكّرون بنِعَم الله، وأن الذي تفرَّد بالنعم يتعيَّن أن يُفرَد بالعبادة، ويذكر لهم من تفاصيل النعم ما لا يُعَدُّ ولا يُحْصَى، ويُذكِّرون بما في مذاهبهم من الزيغ والفساد والاضطراب، والتناقض المزلزل للعقائد، الداعي إلى تركها، ويذكرون بما بين أيديهم وما خَلَفَهم من أيام الله ووقائعه بالأمم المكذِّبة للرسل، المنكرة للتوحيد، ويُذكِّرون بما في الإيمان بالله وتوحيده ودينه من المحاسن والمصالح، والمنافع الدينية والدنيوية، الجاذبة للقلوب، المسهّلة لكل مطلوب، ومع هذا كله فيحتاج الخَلْق إلى الإحسان إليهم، وبذل المعروف، وأقل ذلك الصبر على أذاهم، وتحمل ما يصدر منهم، ولين الكلام معهم، وسلوك كل سبيل حكمةٍ معهم، والتنقل معهم في الأمور بالاكتفاء ببعض ما تسمح به أنفسهم؛ ليستدرج بهم إلى تكميله، والبداءة بالأهم فالأهم، وأعظمهم قيامًا بهذه الأمور وغيرها سيدهم وخاتمهم وإمام الخلق على الإطلاق محمد .

ومنها: أن الكفار كما يعاقبون ويخاطبون بأصل الإسلام، فكذلك بشرائعه وفروعه؛ لأنَّ شعيبًا دعا قومه إلى التوحيد، وإلى إيفاء المكيال والميزان، وجَعَلَ الوعيد مرتبًا على مجموع ذلك.

<<  <   >  >>