للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

الله، لا فرق بينه وبين تحريف الباطنية والقرامطة (١)، وأنه إذا أُوِّلت هذه القصة إلى هذا التأويل توجه نظير هذا التحريف لغيرها من قصص القرآن، وانقلب القرآن - بعدما كان تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة - رموزًا يمكن كل عدو للإسلام أن يفعل بها هذا الفعل، فيبطل بذلك القرآن، وتعود هدايته إضلالًا، ورحمته نقمة، سبحانك هذا بهتان عظيم.

والمؤمن في هذا الموضع يكفيه لإبطال هذا القول الخبيث أن يتلو ما قَصَّه الله علينا من قصة آدم وسجود الملائكة؛ فيعلم أن هذا منافٍ لما قصد الله ورسوله غاية المنافاة، وإنْ زخرفه أصحابه، ولوَّوْا له العبارات، ونسبوه إلى بعض مَنْ يُحْسِن بهم الظن، فالمؤمن لا يترك إيمانه، ولا كتاب ربه لمثل هذه الترويجات المغرّرة، أو المغرور أصحابها.

ومنها: أنَّ مَنْ مَنَّ الله عليه بالعلم عليه أن يعترف بنعمة الله عليه، وأن يقول كما قالت الملائكة والرسل: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، وأن يتوقى التكلُّم بما لا يعلم؛ فإن العلم أعظم المِنَنِ، وشُكْر هذه النعمة الاعترافُ لله بها، والثناء عليه بتعليمها، وتعليم الجُهَّال، والوقوف على ما علمه العبد، والسكوت عما لم يعلمه.

ومنها: أن الله جعل هذه القصة لنا معتبرًا، وأن الحسد والكِبْر والحرص من أخطر الأخلاق على العبد، فكِبْر إبليس وحسده لآدم صيّره إلى ما ترى، وحِرص آدم وزوجه حملهما على تناول الشجرة، ولولا تدارك رحمة الله لهما لأَوْدَت بهما إلى الهلاك، ولكن رحمة الله تُكمل الناقص، وتجبر الكسير، وتنجي الهالك، وترفع الساقط.


(١) الباطنية: هم القائلون بأن لكل ظاهر باطنًا، ولكل تنزيل تأويلًا، ولهم ألقاب كثيرة: الباطنية، والقرامطة، والمزدكية، وغيرها.

<<  <   >  >>