للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾، أي: استضافاهم فلم يُضيفوهما، ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾، أي: قد عاب واستهدم، ﴿فَأَقَامَهُ﴾ الخضرُ ?، أي: بناه وأعاده جديدًا، فقال له موسى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾، أي: أهل هذه القرية لم يضيفونا مع وجوب ذلك عليهم، وأنت تبنيه من دون أجرةٍ، وأنت تقدرُ عليها!

فحينئذ لم يفِ موسى بما قال، واستعذر الخضر منه، فقال له: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ فإنّك شرطت ذلك على نفسك، فلم يبقَ الآن عذرٌ، ولا موضعٌ للصحبة، ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَلَيْهِ صَبْرًا﴾، أي: سأخبرك بما أنكرت عليّ، وأنبئك بما لي في ذلك من المآرب، وما يؤول إليه الأمر.

﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾ التي خرقتها ﴿فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾، يقتضي ذلك الرّقة عليهم، والرأفة بهم، ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾، أي: كان مرورهم على ذلك الملك الظالم، فكلُّ سفينة صالحةٍ تمرُّ عليه ليس فيها عيبٌ غصبها وأخذها ظلمًا، فأردتُ أن أخرقها ليكون فيها عيبٌ، فتسْلَم من ذلك الظالم.

﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ﴾ الذي قتلته ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾، وكان ذلك الغلام قد قُدّر عليه أنَّه لو بلغ لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا، أي: لحملهما على الطغيان والكفر، إمّا لأجل محبّتهما إيّاه، أو للحاجة إليه، أو يحملهما على ذلك، أي: فقتلته؛ لاطلاعي على ذلك؛ سلامةً لدين أبويه المؤمنين، وأيُّ فائدة أعظم من هذه الفائدة الجليلة؟!

وهو وإن كان فيه إساءةٌ إليهما، وقطعٌ لذرّيتهما؛ فإنَّ الله تعالى سيعطيهما من الذرية ما هو خيرٌ منه، ولهذا قال: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً

<<  <   >  >>