للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ففي هذه المدة القصيرة جاء الهدهد بهذه المعلومات العظيمة، أخبر سليمان عن مُلك الديار اليمانية، وأن ملكتهم امرأة، وأنها قد أُعْطِيَت من كل شيء يحتاج الملك إليه، وأن لها عَرْشًا عَظِيْمًا، ومع فهمه لملكهم وقوتهم فهم أيضًا دينهم، وأنهم مشركون يعبدون الشمس، وأنكر الهدهد عليهم غاية الإنكار.

هذا من الأدلة على أن الحيوانات تعرف ربها وتسبحه وتوحده، وتحب المؤمنين وتدين لربها بذلك، وتُبْغض الكفار المُكَذِّبِينَ، وتدين بذلك، فقال له سليمان: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٧ - ٢٨]، فذهب بالكتاب فألقاه في حجر المرأة ملكة سبأ، فلما قرأته عظمته جِدًّا، وأرعبت منه فَزَعًا، وجمعت رؤساء قومها، فقالت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٢٩ - ٣١] كتاب مختصر جامع فيه المقصود كله، قالت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ [النمل: ٣٢]، أي: أشيروا عليَّ، وهذا من حزمها، وحُسن تدبيرها استعملت المشورة مع رؤساء قومها.

﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٢ - ٣٣]، أي: مستعدون لما تقولين حربًا وسلمًا، وأرجعنا الأمر إلى ما تختارين، فمن عزمها وحزمها وبُعد نظرها عدلت عن الحرب، واختارت السلم لكن بصورة حازمة، فقالت: سأُهْدِي له هدية فاخرة: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]، إن كان من الملوك الذي ليس لهم همٌّ إلا الدنيا فربما أن الهدية كسرت سَوْرَتَه (١)، وفلَّت عزيمته، وسالمنا، وسالمناه من بعيد، وإن كان غير ذلك بانَ لنا الأمر.


(١) أي: غضبه وشدَّته.

<<  <   >  >>