فأرسلت أناسًا ذوي عقل وحزم وخبرة ومعرفة، فلما جاءوا لسليمان بالهدية قال: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل: ٣٦]، فبيَّن لهم أنه لا غرض له في الدنيا، وإنما غرضه إقامة الدين، ودخول عباد الله في الإسلام.
ثم وصَّى الرسل، واستغنى بذلك عن الكتاب، وقال للرسول: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧]، وعلم سليمان أنهم سينقادون ويُسلمون، فقال لأهل مجلسه: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٨ - ٣٩]، وسليمان بالديار الشامية، وبينه وبينها مسافة شهرين ذهابًا وشهرين إيابًا، ثم قال الذي عنده علم من الكتاب: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠]، يحتمل أنه كما قال أكثر المفسرين: إنه رجل صالح قد أعطي الاسم الأعظم الذي إذا دُعِيَ الله به أجاب، وأنه دعا الله فأُتي به قبل أن يرتد إليه طرفه، ويحتمل أن الذي عنده علم من الكتاب عنده من الأسباب التي يسخّرها الله لسليمان؛ أسباب يحصل بها تقريب المواصلات، وجلب الأشياء البعيدة.
وعلى كُلٍّ فهذا ملك عظيم بلحظة يحضر له هذا العرش العظيم، ولهذا لما رآه مستقرًّا عنده حمد الله على ذلك، فقال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]، ثم خاطب مَنْ حوله: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل: ٤١]، أي: غيِّروا فيه وزيدوا وأنقصوا، ﴿نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٤١]، وكان قد مُدح له رأيها وعقلها، فأحبَّ أن يقف على الحقيقة، فلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ [النمل: ٤٢] وعُرِض عليها، فلما رأته عرفته، ورأت ما فيه من التنكير، فأنكرته، فقالت مُرَدِّدة للاحتمالين: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢]، لم تقل: هو؛ لِما فيه من