للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

التغيير، ولم تنفِ أنه هو؛ لما كانت تعرفه، فأتت بلفظ صالح للأمرين، فعرف سليمان رجاحة عقلها.

﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢]، إن كان هذا من كلام سليمان فمعناه: إننا أخبرنا عن عقلها، وعلمنا بذلك قبل هذه الحالة فتحققناها لما سبرناها، وإن كان الكلام كلام ملكة سبأ فإنها تقول: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ [النمل: ٤٢] عن ملك سليمان، وأنه ملك نبوة ورسالة وقوة هائلة من قبل هذه الحالة، ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢] مُذْعِنين لما قاله سليمان بعدما تحققنا أمره، فكأنه قيل: مع عقلها هذا ورأيها السديد فكيف كانت تعبد غير الله؟ وكيف اجتمع العقل وعبادة من لا ينفع ولا يضر، وإنما يضر مَنْ عبده؟

حاصل الجواب قوله: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣]، أي: العقائد التي نشأت عليها، والمذاهب الفاسدة تسيطر على عقل العاقل، وتُذهب لُبّ اللبيب حتى يُقَيِّض له من الأسباب المباركة ما يُبيّن له الحق، ويَمُنَّ عليه باتباعه.

وكان له صرح من قوارير أجرى تحته الأنهار، فكان من ينظر إليه يظنه ماء يجري؛ لأن الزجاج شفاف، فلما قيل لها: ادخلي الصرح، فرأته لُجَّةً وكشفت عن ساقيها، قال: إنه صرح ممرّد (١) من قوارير، قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] فأسلمت لله، واتَّبعها قومها، فيقال: إن سليمان تزوَّجها، فالله أعلم.

ولما كانت الشياطين زمن سليمان قد سخَّرهم الله له، وبلَّغه أنهم باجتماعهم بالإنس يُعلّمونهم السحر، فجمعهم وتوعَّدهم، وأخذ كُتبهم ودفنها، فلما توفي سليمان جاءت الشياطين للناس وقالوا: إن ملك سليمان


(١) أي: مُمَلَّس.

<<  <   >  >>