وأما مريم فإنها انتبذت (١) من أهلها مكانًا شرقيًا، متجردة لعبادة ربها: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم: ١٧]؛ لئلا يشغلها أحد عما هي بصدده؛ فأرسل الله لها الروح الأمين جبريل في صورة بشر سوي من أكمل الرجال وأجملهم، فظنت أنه يريدها بسوء، فقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]، فتوسلت بالله في حفظها وحمايتها، وذكرته وجوب التقوى على كل مسلم يخشى الله، فكان هذا الورع العظيم منها في هذه الحالة التي يُخشى منها الوقوع في الفتنة، ورفع الله بذلك مقامها، ونعتها بالعفة الكاملة، وأنها أحصنت فرجها، فقال لها جبريل: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ١٩ - ٢١]، فلا تعجبي مما قدره الله وقضاه.
﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ﴾، أي: ابتعدت به عن الناس ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ خشية الاتهام والأذية منهم، ﴿فَأَجَاءَهَا﴾، أي: ألجأها ﴿الْمَخَاضُ﴾، أي: الطلق ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ لما تعرفه مما هي متعرّضة له من الناس، وأنهم لا يصدقونها، ولم تذر ما الله صانع لها.
﴿فَنَادَاهَا﴾ الملك ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾، وكانت في مكان مرتفع، ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾.
﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾، أي: نهرًا جاريًا، ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ من دون أن تحوجك إلى صعود، ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾، أي: طريًّا ناضجًا، ﴿فَكُلِي﴾ من الرطب، ﴿وَاشْرَبِي﴾ من السَّرِيِّ، ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ بولادة عيسى، وليذهب رَوْعُكِ وخوفك، ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ