للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾، أي: سكوتًا، وكان معهودًا عندهم أنهم يتعبدون بالصمت في جميع النهار، ولهذا فسّره بقوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾، فاطمأن قلبها، وزال عنها ما كانت تجد.

ثم لما تعالت (١) من نفاسها، وأصلحت من شأنها، وقويت بعد الولادة: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٧] علنًا غير هائبة ولا مبالية، فلما رآه قومها، وقد علموا أنه لا زوج لها، جزموا أنه من وجه آخر، فقالوا: ﴿يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٧ - ٢٩] كما أُمِرَت بذلك، فقالوا منكرين عليها مقالتها لهم: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] فقال، وهو في تلك الحال له، أيام يسيرة بعد ولادته: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٣]، فكان هذا الكلام منه في هذه الحال من آيات الله، وأدلة رسالته، وأنه عبد الله لا كما يزعمه النصارى، وحصل لأمه البراءة العظيمة مما يُظَنُّ بها من السوء؛ لأنها لو أتت بألف شاهد على البراءة وهي على هذه الحال ما صدقها الناس، ولكن هذا الكلام من عيسى وهو في المهد جَلَّى كل ريب يقع في القلوب، فانقسم الناس فيه بعد هذا ثلاثة أقسام:

قسم: آمنوا به وصدقوه في كلامه هذا، وفي الانقياد له بعد النبوة، وهم المؤمنون حقيقة.

وقسم: غَلَوْا فيه، وهم النصارى، فقالوا فيه المقالات المعروفة، ونزَّلوه منزلة الرب، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.


(١) أي: قامت وطهرت.

<<  <   >  >>