للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

ولهذا لما كان استماعهم للقرآن على وجه الكفر والجحد والتكذيب، وتوطين نفوسهم على معاداته، أخبر الله تعالى أنه جعل على قلوبهم أَكِنَّةً أن يفقهوه، وفي آذانهم وَقْرًا؛ وأنهم لا يهتدون بسبب ما أَسَّسوا من هذا الأصل الخبيث، المانع لصاحبه من كل خير وهدى، وهذا مما يعلم به حكمة الباري في إضلال الضَّالِّين، وأنهم لما اختاروا لأنفسهم الضلال ورغبوا فيه، وَلَّاهم الله ما تولوا لأنفسهم، وتركهم في طغيانهم يعمهون؛ وأنهم لما ردوا نعمة الله عليهم حين جاءتهم قلب الله أفئدتهم، وَأَصَمَّ أسماعهم، وَأَعْمَى أبصارهم وأفئدتهم.

وهذا الوصف الذي أشرنا إليه قد ذكره الله في كتابه عنهم، وهو يُعِينُك على فَهْم آيات كثيرة يخبر الله فيها بضلالهم، وانسداد طرق الهداية عليهم، وعدم قبول محالِّهم وقلوبهم للهدى، والذنب ذنبهم، وهم السبب في ذلك، قال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٠].

وبضده تُعْرَف الحكمة في هدايته للمؤمنين، وأنهم لما كانوا منصفين ليس غرضهم إلا الحق، ولا لهم قصد إلا طلب رضا ربهم؛ هداهم الله بالقرآن، وازدادت به علومهم ومعارفهم وإيمانهم وهدايتهم المتنوعة، قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦].

وهذا الوصف الجليل للمؤمنين هو الأساس لهدايتهم، وزيادة إيمانهم وانقيادهم، وبه ينفتح لك الباب في فهم الآيات في أوصاف المؤمنين، وسرعة انقيادهم للحق أصوله وفروعه.

ومن مقامات النبي مع المكذِّبين له: أنه يدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادلهم بالتي هي أحسن؛ ويدعوهم أفرادًا ومجتمعين، ويُذَكِّرهم بالقرآن، ويتلوه في الصلاة وخارجها، وكانوا إذا سمعوه صَمُّوا آذانهم، وقد

<<  <   >  >>