يسُبّونه ويسبّون مَنْ أنزله، فأنزل الله على رسوله آيات كثيرة في هذا المعنى يُبيّن حالهم مع سماع القرآن، وشدة نفورهم: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥٠، ٥١]، وأن شياطينهم ورؤساءهم في الشرِّ فكَّروا وقدَّروا، ونظروا فيما يقولون عن القرآن ويصفونه به؛ ليُنفِّروا عنه الناس، حتى قرَّ قرار رئيسهم الوليد بن المغيرة الذي سمَّاه الله وحيدًا، فقال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٤، ٢٥]، ولكن أبى الله إلا أن يعلو هذا الكلام كلَّ كلام، ويزهق هذا الحقُّ كلَّ باطل.
وكانوا من إفكهم يقولون في القرآن الأقوال المتناقضة، يقولون: إنه سحر، إنه كهانة، إنه شعر، إنه كذب، إنه أساطير؛ فجعلوا القرآن عِضين (١)، كل هذا أثر البُغض الذي أحرق قلوبهم، حتى قالوا فيه مقالة المجانين، وكلما قالوا قولًا من هذه الأقوال أنزل الله آيات يُبطل بها ما قالوا، ويُبيّن زورهم وافتراءهم وتناقضهم.
وكان من الأدلة والبراهين على رسالة محمد ﷺ، وأن القرآن من عند الله، مقابلة المكذِّبين له، فإن مَنْ نظر إليها علم أنها سلاح عليهم، وأكبر دليل على أنهم مقاومون للحق، ساعون في إبطاله، وأنهم على الباطل الذي ليس له حظ من العقل، كما ليس له حظ من الدِّين، وكانوا أيضًا يقولون في النبي ﷺ الأقوال التي ليس فيها دلالة على ما كانوا يعتقدون، وليس فيها نقص بالنبي ﷺ؛ يقولون: لو أن محمدًا صادق لأنزل الله ملائكة يشهدون له بذلك، ولأغناه الله عن المشي في الأسواق، وطلب الرزق كما يطلبه غيره، ولجعل له كذا وكذا مما توحي إليهم عقولهم الفاسدة، ويذكرها الله في القرآن في مواضع متعددة؛ تارةً يُصوّرها للعباد فقط؛ لأن من تصوَّرها عرف بطلانها، وأنها ليست من الشُّبَه القادحة، فضلًا عن الحجج المعتبرة، وتارة يصوّرها، ويذكر ما يبطلها من الأمور الواضحة، وهذا كثير في القرآن.