وأحيانًا يقدحون في الرسول قدحًا يعترضون فيه على الله، وأنه لولا نُزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، ومحمد ليس كذلك، وإنك يا محمد لست بأولى بفضل الله منا؛ فلأي شيء تَفَضَّلُ علينا بالوحي، ونحوه من الأقوال الناشئة عن الحسد.
فيجيبهم الله بذِكْر فضله، وأن فضله يؤتيه من يشاء، وأنه أعلم حيث يجعل رسالته، والمحل اللائق بها، ويشرح لهم من صفات رسوله التي يشاهدونها رأي عين ما يعلمون هم وغيرهم أنه أعظم رجل في العالم، وأنه ما وُجد ولن يوجد أحد يقاربه في الكمال، مؤيّدًا ذلك بالأمور المحسوسة والبراهين المسلّمة، وقد أبدى الله هذه المعاني، وأعادها معهم في مواضع كثيرة.
ومن مقاماته ﷺ مع المؤمنين: الرأفة العظيمة، والرحمة لهم، والمحبة التامة، والقيام معهم في كل أمورهم، وأنه بهم أرحم وأرأف من آبائهم وأمهاتهم، وأحنى عليهم من كل أحد، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فلم يزل يدعو إلى التوحيد وعقائد الدين وأصوله، ويقرّر ذلك بالبراهين والآيات المتنوعة، ويحذر من الشرك والشرور كلها منذ بُعث إلى أن استكمل بعد بعثته نحو عشر سنين وهو يدعو إلى الله على بصيرة.
ثم أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ ليُرِيه من آياته، وعَرَج به إلى فوق السماوات السبع، وفرض الله عليه الصلوات الخمس بأوقاتها وهيئاتها، وجاءه جبريل على أثرها فعلَّمه أوقاتها وكيفيّاتها، وصلى به