والعُسْرة مشتدة، فوصل إلى تبوك، ومكث عشرين يومًا، ولم يحصل قتال، فرجع إلى المدينة، فأنزل الله في هذه الغزوة آيات كثيرة من سورة التوبة، يذكر تعالى تفاصيلها وشدتها، ويثني على المؤمنين، ويَذُمُّ المنافقين وتخلفهم، ويذكر توبته على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتَّبعوه في ساعة العُسْرة، ويدخل معهم الثلاثة الذين خُلِّفوا بعد توبتهم وإنابتهم.
وفي مطاوي هذه الغزوات يذكر الله آيات الجهاد وفرضه، وفضله وثواب أهله، وما للناكلين عنه من الذُّلِّ العاجل والعقاب الآجل، كما أنه في أثناء هذه المدة يُنْزِل الله الأحكام الشرعية شيئًا فشيئًا بحسب ما تقتضيه حكمته.
وفي سنة تسع من الهجرة أو سنة عشر فرض الله الحج على المسلمين، وكان أبو بكر حَجَّ بالناس سنة تسع، ونبذ إلى المشركين عهودهم، وأتمَّ عهود الذين لم ينقضوا.
ثم حج النبي ﷺ بالمسلمين سنة عشر، واستوعب المسلمين معه، وأعلمهم بمناسك الحج والعمرة بقوله وفعله، وأنزل الله الآيات التي في الحج وأحكامه، وأنزل الله يوم عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣](١).
* * *
(١) وفي سنة إحدى عشرة من الهجرة توفي النبي ﷺ، ودُفن في المدينة حيث قُبض. ينظر: سيرة ابن هشام (٢/ ٦٥٤) وما بعدها.