للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

فكره جمهور المسلمين هذا الصلح حين تَوَهَّمُوا أن فيه غضاضة على المسلمين، ولم يَطَّلِعوا على ما فيه من المصالح الكثيرة.

فرجع عامه ذلك، وقضى هذه العمرة في عام سبع من الهجرة، فأنزل الله في هذه القضية سورة الفتح بأكملها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، فكان هذا الفتح؛ لما فيه من الصلح الذي تمكَّن فيه المسلمون من الدعوة إلى الإسلام، ودخول الناس في دين الله، حين شاهدوا ما فيه من الخير والصلاح والنور، وقد تقدَّم أن قصة بني قريظة دخلت في ضمن قصة الخندق، أما قبيلة بني النضير من اليهود فإنها قبل ذلك حين همُّوا بالفتك بالنبي ، وكانوا على جانب المدينة غزاهم ، واحتموا بحصونهم، ووعدهم المنافقون حلفاؤهم بنصرتهم، فألقى الله الرعب في قلوبهم، وأنزلهم رسول الله على أن يَجْلُوا عن ديارهم، ولهم ما حَمَلَتْ إبلهم، ويدعوا الأرض والعقار، وما لم تحمله الإبل للمسلمين، فأنزل الله في هذه القضية أول سورة الحشر: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢] إلى آخر القصة.

وفي سنة ثمانٍ من الهجرة، وقد نقضت قريش العهد الذي بينهم وبين النبي غزا مكة في جند كثيف من المسلمين يقارب عشرة آلاف، فدخلها فاتحًا لها، ثم تَمَّمَها بغزوة حُنَيْن (١) على هوازن وثقيف، فتمَّ بذلك نصر الله لرسوله وللمسلمين، وأنزل الله في ذلك أول سورة التوبة.

وفي سنة تسع من الهجرة غزا تبوك، وأوعب (٢) المسلمون معه، ولم يتخلَّف إلا أهل الأعذار وأناس من المنافقين، وثلاثة من صلحاء المؤمنين: كعب بن مالك وصاحباه، وكان الوقت شديدًا، والحر شديدًا، والعدو كثيرًا،


(١) حُنَيْن: اسم ماء بين مكة والطائف.
(٢) أي: خرج.

<<  <   >  >>