للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

المؤمنون بالله، وملائكته وكتبه، ورسله، المستسلمون لربهم، المنيبون إليه، واتِّباع سبيلهم، أن يسلك مسلكهم في الإنابة إلى الله التي هي انجذاب دواعي القلب وإراداته إلى الله، ثم يتبعُها سعي البدن فيما يُرضي الله، ويُقرِّبُ منه، ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾؛ الطائع والعاصي والمنيب وغيره، ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فلا يخفى على الله من أعمالهم خافيةٌ.

﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ التي هي أصغرُ الأشياء وأحقرُها، ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾، أي: في وسطها، ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾، في أي جهة من جهاتهما؛ ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾؛ لسعة علمه، وتمام خبرته، وكمال قدرته، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾، أي: لطف في علمه وخبرته حتى اطَّلع على البواطن والأسرار، وخفايا القفار والبحار.

والمقصود من هذا الحثُّ على مراقبة الله، والعمل بطاعته مهما أمكن، والترهيبُ من عمل القبيح؛ قلَّ أو كَثُرَ.

﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، حثَّه عليها، وخصَّها لأنّها أكبر العبادات البدنية، ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، وذلك يستلزم العلم بالمعروف؛ ليأمر به، والعلم بالمنكر؛ لينهى عنه، والأمر بما لا يتمُّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا به؛ من الرفق والصبر، وقد صرَّح به في قوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ ومن كونه فاعلًا لما يأمر به، كافًّا لما يُنْهَى عنه، فتضمَّن هذا تكميل نفسه بفعل الخير وترك الشر، وتكميل غيره بذلك بأمره ونهيه.

ولما عُلِم أنَّه لا بدَّ أن يُبتلى إذا أمر ونهى، وأنَّ في الأمر والنهي مشقَّة على النفوس؛ أمره بالصبر على ذلك، فقال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ﴾ الذي وعظ به لقمان ابنه ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: من الأمور التي يُعْزَم عليها، ويهتمُّ بها، ولا يوفَّق لها إلا أهل العزائم.

<<  <   >  >>