﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: لا تُمِلْهُ وتعبسُ بوجهك الناس تكبُّرًا عليهم وتعاظُمًا، ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾، أي: بَطَرًا، فخرًا بالنعم، ناسيًا المُنعم، معجبًا بنفسك، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾ في نفسه وهيئته وتعاظمه، ﴿فَخُورٍ﴾ بقوله.
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي: امش متواضعًا مستكينًا، لا مَشْيَ البَطَرِ والتكبر، ولا مشي التماوُت، ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ أدبًا مع الناس ومع الله، ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾، أي: أفظعها وأبشعها، ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾، فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدةٌ ومصلحةٌ لَمَا اختصَّ بذلك الحمار الذي قد عُلِمَتْ خسَّتُه وبلادته.
وهذه الوصايا التي وصَّى بها لقمان ابنه تجمع أمهات الحِكَم، وتستلزم ما لم يُذكر منها، وكلُّ وصيةٍ يُقرَن بها ما يدعو إلى فعلها إن كانت أمرًا، وإلى تركها إن كانت نهيًا، وهذا يدلُّ على ما ذكرنا في تفسير الحكمة أنها العلم بالأحكام، وحِكَمِها ومناسباتها، فأمره بأصل الدين، وهو التوحيد، ونهاه عن الشرك، وبيَّن له الموجب لتركه، وأمره ببرِّ الوالدين، وبيَّن له السبب الموجب لبرِّهما، وأمره بشكره وشكرهما، ثم احترز بأنَّ محلَّ برِّهما وامتثال أوامرهما ما لم يأمرا بمعصية، ومع ذلك فلا يعقُّهما، بل يُحسن إليهما، وإن كان لا يطيعهما إذا جاهداه على الشرك.
وأمره بمراقبة الله، وخوَّفه القدوم عليه، وأنَّه لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً من الخير والشرِّ إلا أتى بها، ونهاه عن التكبر، وأمره بالتواضع، ونهاه عن البَطَر (١) والأشر (٢) والمرح (٣)، وأمره بالسكون في الحركات والأصوات، ونهاه عن ضدِّ ذلك.
(١) البَطَر: الطغيان عند النعمة وطول الغنى. (٢) الأشر: أشد درجات البَطَر والطغيان. (٣) المرح: الكِبْر والفخر والخُيَلاء.