للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

يستيقنون ذلك، وهم أهل الإيمان الثابت واليقين الراسخ، مثبتين لباقيهم ومطمئنين لخواطرهم، وآمرين لهم بالصبر، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أي: بإرادته ومشيئته، فالأمر الله تعالى، والعزيز مَنْ أَعَزَّه الله، والذليل من أَذَلَّه الله، فلا تُغني الكثرة مع خذلانه، ولا تضر القلة مع نصره، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بالنصر والمعونة والتوفيق، فأعظم جالب لمعونة الله صبر العبد لله، فوقعت موعظته في قلوبهم وأثَّرت معهم.

ولهذا لما برزوا لجالوت وجنوده ﴿قَالُوا﴾ جميعهم: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾، أي: قَوِّ قلوبنا، وأوزِعْنا (١) الصبر، ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ عن التزلزل والفرار، ﴿وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.

من هاهنا نعلم أن جالوت وجنوده كانوا كفارًا، فاستجاب الله لهم ذلك الدعاء؛ لإتيانهم بالأسباب الموجبة لذلك، ونصرهم عليهم، ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ﴾ ، وكان مع جنود طالوت، ﴿جَالُوتَ﴾، أي: باشَرَ قَتْلَ ملك الكفار بيده؛ لشجاعته وقوته وصبره، ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ﴾، أي: آتى الله داود ﴿الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾، أي: منَّ عليه بتملُّكه على بني إسرائيل مع الحكمة، وهي النبوة المشتملة على الشرع العظيم والصراط المستقيم، ولهذا قال: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ من العلوم الشرعية والعلوم السياسية، فجمع الله له الملك والنبوة، وقد كان مَنْ قَبْلَه من الأنبياء يكون الملك لغيرهم، فلما نصرهم الله تعالى اطمأنوا في ديارهم وعبدوا الله آمنين مطمئنين لخذلان أعدائهم وتمكينهم من الأرض، وهذا كله من آثار الجهاد في سبيله، فلو لم يكن لم يحصل ذلك، فلهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾، أي: لولا أنه يدفع بمن يقاتل في سبيله كَيْدَ


(١) أي: أَلْهِمْنا.

<<  <   >  >>