للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

في الجبل، ﴿وَالرَّقِيمِ﴾، أي: الكتاب الذي قد رُقِمَتْ (١) فيه أسماؤهم وقصَّتُهم؛ لملازمتهم له دهرًا طويلًا.

ثم ذكر قصّتهم مجملةً، وفصّلها بعد ذلك، فقال: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ﴾، أي: الشباب، ﴿إِلَى الْكَهْفِ﴾ يريدون بذلك التحصُّن والتحرُّز من فتنة قومهم لهم، ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾، أي: تُثبّتنا بها وتحفظنا من الشر، وتوفقنا للخير، ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾، أي: يسّر لنا كلَّ سببٍ موصل إلى الرشد، وأصلح لنا أمر ديننا ودنيانا، فجمعوا بين السعي والفرار من الفتنة إلى محلّ يمكن الاستخفاء فيه، وبين تضرُّعهم وسؤالهم لله تيسير أمورهم، وعدم اتكالهم على أنفسهم وعلى الخلق، فلذلك استجاب الله دعاءهم، وقيّض لهم ما لم يكن في حسابهم؛ قال: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾، أي: أنمنَاهم ﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾، وهي ثلاثمائة سنة وتسع سنين، وفي النوم المذكور حفظٌ لقلوبهم من الاضطراب والخوف، وحفظٌ لهم من قومهم، وليكون آية بينة.

﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾، أي: من نومهم، ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾، أي: لنعلم أيُّهم أحصى لمقدار مدّتهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ الآية، وفي العلم بمقدار لُبْثهم ضبط للحساب، ومعرفة لكمال قدرة الله تعالى وحكمته ورحمته؛ فلو استمرّوا على نومهم لم يحصل الاطلاع على شيء من ذلك من قصتهم.

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٣ - ١٤].


(١) أي: كُتِبَتْ.

<<  <   >  >>