هذا شروعٌ في تفصيل قصّتهم، وأنَّ الله يقصُّها على نبيِّه بالحقِّ والصدق، الذي ما فيه شكٌّ ولا شبهةٌ بوجه من الوجوه، ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾، وهذا من جموع القلّة، يدلُّ ذلك على أنهم دون العشرة، ﴿آمَنُوا﴾ بالله وحده لا شريك له من دون قومهم، فشكر الله لهم إيمانهم، فزادهم هدى، أي: بسبب أصل اهتدائهم إلى الإيمان زادهم الله من الهدى الذي هو العلم النافع، والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾.
﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، أي: صبّرناهم وثبّتناهم، وجعلنا قلوبهم مطمئنّة في تلك الحالة المزعجة، وهذا من لطفه تعالى بهم وبِرِّه أن وفقهم للإيمان والهدى، والصبر والثبات، والطمأنينة، ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: الذي خلقنا ورزقنا، ودبّرنا وربَّنا هو خالق السماوات والأرض، المنفرد بخلق هذه المخلوقات العظيمة، لا تلك الأوثان والأصنام التي لا تخلق ولا ترزق، ولا تملك نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فاستدلوا بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية، ولهذا قالوا: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾، أي: من سائر المخلوقات، ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا﴾، أي: إنَّ دعاءنا معه آلهةً بعدما علمنا أنَّه الربُّ الإله الذي لا تجوز ولا تنبغي العبادة إلا له ﴿شَطَطًا﴾، أي: ميلًا عظيمًا عن الحقِّ، وطريقًا بعيدة عن الصواب، فجمعوا بين الإقرار بتوحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، والتزام ذلك، وبيان أنَّه الحقُّ، وما سواه باطلٌ، وهذا دليلٌ على كمال معرفتهم بربهم، وزيادة الهدى من الله لهم.
﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، لما ذكروا ما مَنَّ الله به عليهم من الإيمان والهدى التفتوا إلى ما كان عليه قومهم؛ من اتخاذ الآلهة من دون الله، فمقتوهم، وبيّنوا أنهم ليسوا على يقين من أمرهم، بل في غاية الجهل