والضلال، فقالوا: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾، أي: بحجة وبرهان على ما هم عليه من الباطل، ولا يستطيعون سبيلًا إلى ذلك، وإنما ذلك افتراءٌ منهم على الله وكذبٌ عليه، وهذا أعظم الظلم، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِن رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُم مِرْفَقًا﴾، أي: قال بعضهم لبعض: إذ حصل لكم اعتزال قومكم في أجسامكم وأديانكم فلم يَبْقَ إلا النجاة من شرِّهم، والتسبب بالأسباب المُفْضية لذلك؛ لأنه لا سبيل لهم إلى قتالهم، ولا بقائهم بين أظهرهم وهم على غير دينهم، ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾، أي: انضموا إليه واختفوا فيه، ﴿يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِن رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُم مِرْفَقًا﴾ وفيما تقدَّم أخبر أنهم دَعَوْه بقولهم: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾، فجمعوا بين التبري من حَوْلهم وقوتهم، والالتجاء إلى الله في صلاح أمرهم، ودعائه بذلك، وبين الثقة بالله أنه سيفعل ذلك، لا جرم أنَّ الله نشر لهم من رحمته، وهيَّأ لهم من أمرهم مِرْفَقًا، فحفظ أديانهم وأبدانهم، وجعلهم من آياته على خَلْقه، ونشر لهم من الثناء الحسن ما هو من رحمته بهم، ويسَّر لهم كلَّ سبب، حتى المحلَّ الذي ناموا فيه كان على غاية ما يمكن من الصيانة، ولهذا قال: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾، أي: حفظهم الله من الشمس، فيسَّر لهم غارًا إذا طلعت الشمس تميل عنه يمينًا، وعند غروبها تميل عنه شمالًا، فلا ينالهم حرُّها فتفسد أبدانهم بها، ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾، أي: من الكهف، أي: مكان متَّسع، وذلك ليطرقهم الهواء والنسيم، ويزول عنهم الوَخَم والتأذي بالمكان الضيِّق، خصوصًا مع طول المُكث، و ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ الدالة على قدرته