ومن جملة الأسباب (١) هذا الرجل المؤمن الذي من آل فرعون من بيت المملكة، لا بدَّ أن يكون له كلمةٌ مسموعةٌ، وخصوصًا إذا كان يُظهِرُ موافقتهم ويكتم إيمانه؛ فإنهم يراعونه في الغالب ما لا يراعونه لو خالفهم في الظاهر؛ كما منع الله رسوله محمدًا ﷺ بعمه أبي طالب من قريش؛ حيث كان أبو طالب كبيرًا عندهم، موافقًا لهم على دينهم، ولو كان مسلمًا لم يحصل منه ذلك المنع.
فقال ذلك الرجل المؤمن الموفَّق العاقل الحازم مقبِّحًا فِعْلَ قومه، وشناعة ما عزموا عليه: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، أي: كيف تستحلُّون قتله وهذا ذنبه وجَرْمه أنَّه يقول ربي الله؟! ولم يكن أيضًا قولًا مجرَّدًا عن البينات، ولهذا قال: ﴿وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ لأنَّ بينته اشتهرت عندهم اشتهارًا علم به الصغير والكبير، أي: فهذا لا يوجب قتله، فهلَّا أبطلتم قبل ذلك ما جاء به من الحق، وقابلتم البرهان ببرهان يردُّه، ثم بعد ذلك نظرتم: هل يحلُّ قَتْلُه إذا ظهرتم عليه بالحجة أم لا؟! فأما وقد ظهرت حجته واستعلى برهانه فبينكم وبين حِلِّ قتله مفاوزُ تنقطع بها أعناق المطيِّ.
(١) أي: الأسباب التي اندفع بها عن موسى شرُّ فرعون وملئه.