ثم قال لهم مقالة عقليةً تُقنع كلَّ عاقل بأي حالة قُدّرت، فقال: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، أي: موسى بين أمرين؛ إما كاذب في دعواه أو صادق فيها، فإن كان كاذبًا فكذبه عليه، وضرره مختصّ به، وليس عليكم في ذلك ضررٌ؛ حيث امتنعتم من إجابته وتصديقه، وإن كان صادقًا وقد جاءكم بالبينات، وأخبركم أنكم إنْ لم تجيبوه عذبكم الله عذابًا في الدنيا وعذابًا في الآخرة؛ فإنه لا بدَّ أن يصيبكم بعضُ الذي يَعِدُكم، وهو عذاب الدنيا.
وهذا من حُسْن عقله، ولطف دَفْعه عن موسى؛ حيث أتى بهذا الجواب الذي لا تشويش فيه عليهم، وجعل الأمر دائرًا بين تلك الحالتين، وعلى كلِّ تقدير فقَتْلُه سَفَهٌ وجهلٌ منكم.
ثم انتقل ﵁ وأرضاه، وغفر له ورحمه، إلى أمرٍ أعلى من ذلك، وبيان قرب موسى من الحق، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾، أي: متجاوز الحد بترك الحق والإقبال على الباطل، ﴿كَذَّابٌ﴾ بنسبته ما أسرف فيه إلى الله، فهذا لا يهديه الله إلى طريق الصواب؛ لا في مدلوله، ولا في دليله، ولا يوفَّق للصراط المستقيم، أي: وقد رأيتم ما دعا موسى إليه من الحق، وما هداه الله إلى بيانه من البراهين العقلية والخوارق السماويّة؛ فالذي اهتدى هذا الهدى لا يمكن أن يكون مسرفًا ولا كاذبًا، وهذا دليلٌ على كمال علمه وعقله ومعرفته بربِّه.
ثم حذَّر قومه ونصحهم، وخوَّفهم عذاب الآخرة، ونهاهم عن الاغترار بالملك الظاهر، فقال: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، أي: في الدنيا ﴿ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ على رعيتكم، تنفذون فيهم ما شئتم من التدبير، فهبكم حصل لكم ذلك وتمَّ، ولن يتمَّ؛ ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾، أي: عذابه، ﴿إِنْ جَاءَنَا﴾، وهذا من حُسْن دعوته، حيث جعل الأمر مشتركًا بينه وبينهم بقوله: