بقي أن يُقال: فلعله يدعو ولا يأخذ أجرةً، ولكنه ليس على الحق، فدفع هذا الاحتراز بقوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾؛ لأنهم لا يدعون إلا لما يشهد العقل الصحيح بحُسنه، ولا ينهون إلا بما يشهد العقل الصحيح بقُبحه.
فكأنَّ قومه لم يقبلوا نُصحه، بل عادوا لائمين له على اتباع الرسل، وإخلاص الدين لله وحده، فقال: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: وما المانع لي من عبادة مَنْ هو المستحق للعبادة؛ لأنه الذي فطرني، وخلقني، ورزقني، وإليه مآل جميع الخلق، فيجازيهم بأعمالهم، فالذي بيده الخلق والرزق، والحكم بين العباد في الدنيا والآخرة؛ هو الذي يستحق أن يُعبد، ويُثنى عليه ويُمجَّد دون من لا يملك نفعًا ولا ضرًا، ولا عطاءً ولا منعًا، ولا حياةً ولا موتًا ولا نشورًا، ولهذا قال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾؛ لأنه لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه؛ فلا تُغني شفاعتهم عني شيئًا، ﴿وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ من الضُّرِّ الذي أراده الله بي، ﴿إِنِّي إِذًا﴾ أي: إن عبدتُ آلهةً هذا وصفها ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، فجمع في هذا الكلام بين نُصْحهم، والشهادة للرسل بالرسالة، والاهتداء والإخبار بتعيّن عبادة الله وحده، وذكر الأدلة عليها، وأنَّ عبادة غيره باطلةٌ، وذكر البراهين عليها، والإخبار بضلال مَنْ عبدها، والإعلان بإيمانه جهرًا، مع خوفه الشديد مِنْ قَتْلهم، فقال: ﴿إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾، فقتله قومه لما سمعوا منه، وراجعهم بما راجعهم به.
- ﴿قِيلَ﴾ له في الحال: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾، فقال مخبرًا بما وصل إليه من الكرامة على توحيده وإخلاصه، وناصحًا لقومه بعد وفاته، كما نصح لهم في حياته: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾، أي: بأي شيء غفر لي، فأزال عني أنواع العقوبات، ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ بأنواع المثوبات والمسرات، أي: لو وصل علم ذلك إلى قلوبهم لم يقيموا على شركهم.