للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فأخبر تعالى أن كلًا من ﴿الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾، أي: ثمرها وزرعها ضعفين، أي: متضاعفًا، وأنها لم ﴿تَظْلِم مِنْهُ شَيْئًا﴾، أي: لم تنقص من أُكُلها أدنى شيء، ومع ذلك فالأنهار في جوانبها سارحة كثيرة غزيرة.

﴿وَكَانَ لَهُ﴾، أي: لذلك الرجل ﴿ثَمَرٌ﴾، أي: عظيم، كما يفيده التنكير، أي: قد استكملت جنتاه ثمارهما، وارجحنَّت (١) أشجارهما، ولم تعرض لهما آفةٌ أو نقصٌ، فهذا غاية منتهى زينة الدنيا في الحرث، ولهذا اغترَّ هذا الرجل، وتبجَّح وافتخر، ونسي آخرته.

﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٤ - ٣٦].

أي: فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن وهما يتحاوران، أي: يتراجعان بينهما في بعض الماجريات المعتادة، مفتخرًا عليه: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ فَخَرَ بكثرة ماله، وعزَّة أنصاره؛ من عبيد، وخدم، وأقارب، وهذا جهل منه، وإلا فأيُّ افتخار بأمر خارجيّ ليس فيه فضيلةٌ نفسيةٌ، ولا صفةٌ معنويةٌ، وإنما هو بمنزله فخر الصبيّ بالأماني التي لا حقائق تحتها؟!

ثم لم يَكْفِهِ هذا الافتخار على صاحبه حتى حكم بجهله وظلمه، وظنَّ لما دخل جنته فقال: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ﴾، أي: تنقطع وتضمحلَّ ﴿هَذِهِ أَبَدًا﴾، فاطمأن إلى هذه الدنيا، ورضي بها، وأنكر البعث، فقال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾، على ضرب المثل، ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾، أي: ليعطيني خيرًا من هاتين الجنتين، وهذا لا يخلو من أمرين؛ إمّا أن يكون عالمًا بحقيقة الحال، فيكون كلامه هذا على وجه التهكُّم والاستهزاء، فيكون


(١) أي: ثقلت.

<<  <   >  >>