للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

زيادة كفرٍ إلى كفره، وإمّا أن يكون هذا ظنّه في الحقيقة، فيكون من أجهل الناس، وأبخسهم حظًّا من العقل، فأيُّ تلازمٍ بين عطاء الدنيا وعطاء الآخرة، حتى يظنَّ بجهله أن من أُعطِي في الدنيا أُعطِي في الآخرة، بل الغالب أنَّ الله تعالى يزوي الدنيا عن أوليائه وأصفيائه، ويوسّعها على أعدائه الذين ليس لهم في الآخرة نصيبٌ، والظاهر أنّه يعلم حقيقة الحال، ولكنّه قال هذا الكلام على وجه التهكُّم والاستهزاء، بدليل قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، فإثبات أن وَصْفَه الظلم في حال دخوله الذي جرى منه من القول ما جرى يدلُّ على تمرُّده وعناده.

﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٧ - ٣٩].

أي: قال له صاحبه المؤمن ناصحًا له، ومذكِّرًا له حاله الأولى التي أوجده الله فيها في الدنيا ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾؛ فهو الذي أنعم عليك بنعمة الإيجاد والإمداد، وواصل عليك النعم، ونقلك من طَوْرٍ إلى طَوْرٍ، حتى سوَّاك رجلًا، كامل الأعضاء والجوارح المحسوسة والمعقولة، وبذلك يسَّر لك الأسباب، وهيَّأ لك ما هيَّأ من نعم الدنيا، فلم تحصُل لك الدنيا بحولك وقوَّتك، بل بفضل الله تعالى عليك، فكيف يليق بك أن تكفُر بالله الذي خلقك من ترابٍ، ثم من نطفةٍ، ثم سوَّاك رجلًا، وتجحد نعمته، وتزعم أنَّه لا يبعثك، وإن بعثك أنَّه يعطيك خيرًا من جنتك؟! هذا مما لا ينبغي ولا يليق.

ولهذا لما رأى صاحبه المؤمن حالَه واستمراره على كفره وطغيانه قال مُخْبِرًا عن نفسه، على وجه الشكر لربه، والإعلان بدينه، عند ورود المجادلات والشُّبَه: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾، فأقرَّ بالربوبية

<<  <   >  >>