للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

كأبي عامر الراهب، الذي كان من أهل المدينة، فلما قدِم النبيُّ وهاجر إلى المدينة كفر به، وكان متعبِّدًا في الجاهلية، فذهب إلى المشركين يستعين بهم على حرب رسول الله ، فلما لم يدرك مطلوبه عندهم ذهب إلى قيصر بزعمه أنه ينصره، فهلك اللعين في الطريق، وكان على وعدٍ وممالأة هو والمنافقون، فكان مما أعدُّوا له مسجد الضرار، فنزل الوحي بذلك، فبعث إليه النبي من يهدمه ويحرقه، فهُدِم وحُرِّق، وصار بعد ذلك مزبلةً.

قال تعالى بعدما بيَّن من مقاصدهم الفاسدة في ذلك المسجد: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا﴾ في بنائنا إيَّاه ﴿إِلَّا الْحُسْنَى﴾، أي: الإحسان إلى الضعيف، والعاجز والضرير، ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، فشهادة الله عليهم أصدق من حلفهم، ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾، أي: لا تُصَلِّ في ذلك المسجد الذي بُني ضرارًا أبدًا؛ فالله يُغنيك عنه، ولست بمضطرٍّ إليه. ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ ظهر فيه الإسلام في قُباء، وهو مسجد قُباء أُسِّس على إخلاص الدين الله، وإقامة ذِكْره وشعائر دينه، وكان قديمًا في هذا عريقًا فيه، فهذا المسجد الفاضل ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ وتتعبَّد، وتذكر الله تعالى، فهو فاضل، وأهله فضلاء، ولهذا مدحهم الله بقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ من الذُّنوب، ويتطهَّروا من الأوساخ، والنجاسات والأحداث، ومن المعلوم أنَّ مَنْ أحبَّ شيئًا لا بدَّ أن يسعى له ويجتهد فيما يحبُّ، فلا بدَّ أنهم كانوا حريصين على التطهُّر من الذنوب والأوساخ والأحداث، ولهذا كانوا ممن سبق إسلامه، وكانوا مقيمين للصلاة، محافظين على الجهاد مع رسول الله وإقامة شرائع الدين، وممن كانوا يتحرَّزون من مخالفة الله ورسوله.

وسألهم النبي بعدما نزلت هذه الآية في مدحهم عن طهارتهم، فأخبروه أنهم يُتْبِعون الحجارة الماء، فحمدهم على صنيعهم (١).


(١) أخرجه ابن ماجه (٣٥٥)، والحاكم (٥٥٦).

<<  <   >  >>