للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


= بماذا أخرج من سخطه غدًا؟ فلما قيل: إن رسول الله قد أطل قادمًا زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدًا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله قادمًا، وجاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، فقبل منهم رسول الله علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلَّمت عليه تبسَّم تبسُّم المغضب، فقال لي: «ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟»، فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيتُ جدلًا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق، تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفْت عنك، فقال رسول الله : «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك»، فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله لك، فو الله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذِّب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان، قالا مثل ما قلت؛ مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين، قد شهدا بدرًا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة، فاجتنبنا الناس، وتغيّروا لنا حتى تنكّرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله فأسلّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه برد السلام عليّ أم لا؟ حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحبّ الناس إليّ، فسلمت عليه، فو الله ما ردّ عليّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أُحب الله ورسوله؟ فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسوّرت الجدار، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسولُ رسولِ الله يأتيني، فقال: إن رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أُطلّقها، أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقرَبْها، وأرسل إلى صاحبيَّ مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ، فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع، ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: «لا، ولكن لا يقربكِ». قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله في امرأتك =

<<  <   >  >>