للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

منهم، ثم أقام لهم بينة عظيمة وبرهانًا ونعمة على جميع القبيلة بأَسْرها، وقال: هذه ناقة الله - التي لا يشبهها شيء من النوق في ذاتها وشرفها ومنافعها لكم - آيةٌ على صدقي، وعلى سعة رحمة ربكم، فذَرُوها تأكل في أرض الله، على الله رِزْقُها، ولكم نفعها، تَرِد الماء يومًا فترد القبيلة بأَسْرها على ضرعها، كلّ يصدر عن ضرعها قد ملأ آنيته، ثم تَرِدُون أنتم في اليوم الثاني، فمكثت على هذا ما شاء الله.

وكان في مدينتهم تسعةُ رهطٍ من شياطينهم قد قاوموا ما جاء به صالح أشد المقاومة، يَصُدُّون عن سبيل الله، ويُفسدون في الأرض ولا يُصْلحون، وكان صالح قد حذّرهم من عَقْر الناقة؛ لما رأى من كِبْرهم ورَدّهم الحق، فأول ما فعل أولئك الملأ الأشرار أن عقدوا مجلسًا عامًا ليتفقوا على عقر الناقة، فاتفقوا، فانتدب لذلك أشقى القبيلة، ولهذا قال الله تعالى:

﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: ١٢]، أي: بعد اتفاقهم وندبهم إياه بعثوه لذلك، فانبعث واستعدَّ، وتكفَّل لهم بعقرها، وهم جميعهم راضون، بل آمرون، فعقرها، فكان هذا العقر مُؤْذِنًا بهلاك القبيلة بأسرها.

فلما شعر صالح بالأمر، ورأى منظرًا فظيعًا، علم أن العذاب قد تحتَّم لا محالة؛ لأن الجريمة قد تفاقمت، ولم يبقَ حالة يُرْجَى فيها لهم تقويم، فقال لهم صالح: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾، ونبَّه بهذا الكلام دانيَهم وقاصيهم، ففي أثناء هذه المدة اتَّفق هؤلاء الرهط التسعة على أمرٍ أغلظ من عَقْر الناقة؛ على قتل نبيهم صالح، وتعاهدوا وتعاقدوا، وحلفوا الأيمان المغلظة، وكتموا أمرهم خشيةً من منع أهل بيته؛ لأنه في بيت عزّ وشرف، وقالوا: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾، ثم إذا ظُنَّ بنا أننا قتلناه حلفنا لأوليائه أننا ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾، فدبَّرُوا هذا المكر العظيم، ولكنهم يمكرون ويمكر الله لنبيه صالح، فحين كمنوا في أصل جبل لينظروا

<<  <   >  >>