للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

ثم جاء إبراهيم مرة أخرى وإسماعيل أيضًا في الصيد، فدخل على امرأته، فسألها عن إسماعيل فأخبرته، وسألها عن عيشهم فأخبرته أنهم في نعمة وخير، وكانت امرأة طيبة شاكرة الله وشاكرة لزوجها، ثم قال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه ، وقولي له يُثبِّتْ عتبة بابه، ثم رجع أيضًا من فَوْرِه قبل مواجهة إسماعيل لحكمة أرادها الله تعالى، فلما رجع إسماعيل من صيده قال: هل جاءكم من أحد؟ فقالت: جاءنا شيخ بهذا الوصف، فقال: هل قال لكم من شيء؟ فقالت: سألنا عنك فأخبرته، وسألنا عن عيشنا فأخبرته أنَّا في نعمة، وأثنيت على الله، فقال: فما قال؟ قالت: هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تُثبِّت عتبة بابك، فقال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أُمْسِكَك.

ثم عاد إبراهيم المرة الثالثة فوجد إسماعيل يَبْرِي نَبْلًا عند زمزم، فلما رآه قام إليه فصَنَعَا كما يصنع الوالد الشفيق والولد الشفيق، فقال: يا إسماعيل، إن الله أمرني أن أبني هنا بيتًا يكون معبدًا للخلق إلى يوم القيامة، قال: سأعينك على ذلك، فجعلا يرفعان القواعد من البيت (١)؛ إبراهيم يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٩].

فلما تمَّ بنيانه، وتمَّ للخليل هذا الأثر الجليل؛ أمره الله أن يدعو الناس، ويُؤذِّن فيهم بحَجِّ هذا البيت، فجعل يدعو الناس وهم يفِدُون إلى هذا البيت من كل فجٍّ عميق؛ ليشهدوا منافع دنياهم وأخراهم، ويسعدوا، ويزول عنهم شقاؤهم.


(١) أخرجه البخاري (٣٣٦٤).

<<  <   >  >>