للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

وفي هذه الأثناء حين تمكَّن حُبُّ إسماعيل من قلبه، وأراد الله أن يمتحن إبراهيم لتقديم محبة ربه وخُلَّته التي لا تقبل المشاركة والمزاحمة، فأمره في المنام أن يذبح إسماعيل، ورؤيا الأنبياء وحي من الله، فقال لإسماعيل: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ ياأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٣]، أي: خضعا لأمر الله، وانقادَا لأمره، ووطَّنَا أنفسهما على هذا الأمر المزعج الذي لا تكاد النفوس تصبر على عُشْر مِعْشاره، ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، نزل الفرج من الرحمن الرحيم، ﴿وَنادَيْناهُ أَنْ ياإِبْراهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥]، فحصل توطين النفس على هذه المحنة والبلوى الشاقة المزعجة، وحصلت المقدمات والجزم المصمّم، وتمّ لهما الأجر والثواب، وحصل لهما الشرف والقرب والزلفى من الله، وما ذلك من ألطاف الرب بعزيز، قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٥ - ١٠٧]، وأي ذبح أعظم من كونه حصل به مقصود هذه العبادة التي لا يُشبهها عبادة، وصار سُنَّة في عقبه إلى يوم القيامة يُتقرَّب به إلى الله، ويدرك به ثوابه ورضاه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١٠٩].

ثم إن الله أتم النعمة على إبراهيم، ورَحِم زوجته سارة على الكِبَر والعُقْم واليأس بالبشارة بالابن الجليل، وهو إسحاق، ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾، فحين أرسل الله لوطًا إلى قومه، وتمرَّدوا عليه وحتَّم الله عقوبتهم، وكان لوط تلميذًا لإبراهيم، ولإبراهيم عليه حقوق كثيرة، فمرَّت الملائكة الذين أُرْسِلُوا لإهلاك قوم لوط بإبراهيم بصورة آدميين، فلما دخلوا عليه وسلموا ردَّ عليهم السلام، وبادرهم بالضيافة، وكان الله قد أعطاه الرزق الواسع، والكرم العظيم، وكان بيته مأوى للأضياف، فبالحال راغَ إلى أهله بسرعة وخُفْية منهم، فجاء

<<  <   >  >>