وعلمه، فلما سوّلت للملك الظاهر (١) بيبرس أمانيه، وحدثته نفسه من الظلم بما كاد يأتي/ (ص ٢٩١) قواعده من مبانيه، وكتب له من الفقهاء من كتب، وحمله سوء رأيه على بيع آخرته بشيء من الذهب، ولم يبق سواه فلما حضر هابه وألقى إليه الفتيا فألقاها وقال: لقد أفتوك بالباطل ليس لك أخذ معونة حتى ينفذ أموال بيت المال، وتعيد أنت ونساؤك ومماليكك وأمراؤك ما أخذتم زائدا عن حقكم، وتردوا فواضل بيت المال إليه. وأغلظ له في القول، فلما خرج قال:
اقطعوا وظائف هذا الفقيه ورواتبه، فقيل: إنه لا وظيفة له ولا راتب، قال: فمن أين يأكل؟ قالوا: مما يبعث إليه أبوه من نوى، فقال: والله لقد هممت بقتله، فرأيت كأن أسدا فاغرا فاه بيني وبينه لو عرّضت له لالتقمني. ثم وقر له في صدره ما وقر، ومدّ إليه يد المسالمة يسأله وما افتقر.
ثم كانت سمعة النووي التي شرّقت وغرّبت، وبعدت وقربت، وعظم شأن تصانيفه، وبيان البيان في مطاوي تواليفه، ثم هي اليوم محجة الفتوى وعليها العمل وما ثمّ سوى سببها الأقوى.
ولد في المحرّم سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وقدم دمشق سنة تسع وأربعين فسكن في الرواحية، وتناول خبز المدرسة، وحفظ التنبيه في أربعة أشهر ونصف، وقرأ ربع المهذب حفظا في باقي السنة، ثم حجّ مع أبيه، ومرض أكثر الطريق، قال مخبرا عن نفسه: إنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درسا على
(١) الملك الظاهر بيبرس: هو: ركن الدين أبو الفتوح بيبرس التركي البندقداري، ولد في حدود العشرين وستمائة واشتراه الأمير علاء الدين فكان من جملة المماليك. ولما أظهر شجاعة تولى مناصب قيادية في الجيش إلى أن ولي السلطنة سنة ثمان وخمسين وستمائة، له أيام مشهورة في الإسلام. وكانت وفاته عام ست وسبعين وستمائة في دمشق. انظر ترجمته في شذرات الذهب ٥/ ٣٥٠، والنجوم الزاهرة ٧/ ٨٦، وفوات الوفيات ١/ ٢٣٥، والأعلام ٢/ ٥٨.