وأما الاعتدال: فالمحمود من الغضب هوالغضب الذي ينتظر إشارة العقل والدين، فينبعث حيث تجب الحمية، وينطفئ حيث يجب الحلم.
وحفظه على حد الاعتدال، هو الاستقامة التي كلف الله بها عباده، وهو الوسط بين الطرفين: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
فمن مال غضبه إلى الفتور، حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة، وخسة النفس، واحتمال الذل في غير محله، فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه.
ومن رقى غضبه إلى الإفراط، حتى جره إلى التهور، واقتحام الفواحش، فينبغي أن يعالج نفسه، لينقص من ثورة الغضب، ويقف على الوسط الحق بين الطرفين، وهو الصراط المستقيم وهو أدق من الشعرة، وأحد من السيف، فإن عجز عنه، فليطلب القرب منه كما قال النبي ﷺ:«ليس الشَّديد بالصُّرَعة، إنَّما الشَّديد الذي يملك نفسه عند الغَضَب». متفق عليه (١).
والأسباب المهيجة للغضب في النفس، هي الزهو والعُجب، والمزاح والهزل، والهُزء والتعيير، والمماراة والغدر، وشدة الحرص على فضول المال والجاه ونحو ذلك من الأخلاق الرديئة المذمومة شرعًا، ولا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الأسباب، وتُزال هذه الأسباب بأضدادها.
فيُميت الإنسان الزهو بالتواضع، والعُجب بمعرفة ما في النفس من النقص، والفخر بأنك من جنس عبدك، وتُزيل المزاح بالتشاور بالمهمات الدينية التي تستوعب العمر، وتنفع العبد.
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم: (٦١١٤)، واللفظ له، ومسلم برقم: (١٠٧/ ٢٦٠٩).