للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

الوقت الذي أجَّله، والحالة التي أرادها؛ لما له في ذلك من الحِكَم العظيمة، ومتى أراد الله شيئًا في وقت مخصوص قدَّر من الأسباب الحسية أو المعنوية ما يمنع حصوله قبل ميقاته، كما يقدِّر من الأسباب ما يحصل به ما أراد، فالأسباب بيد العزيز الحكيم، وليس هذا بأغرب من قضية بني إسرائيل في التيه وهم أمة عظيمة، والتيه مسافة قصيرة وهم بين أظهر قرى ومدن كثيرة، والمدة أربعون سنة لم يهتدوا طريقًا إلى مقصدهم، ولم يتيسَّر لهم مَنْ يرشدهم إلى قصدهم.

وكذلك أصحاب الكهف مكثوا في كهفهم ثلاثمائة وتسع سنين وهم في غارٍ قريب من مدينة عظيمة، لم يَصلْ إليهم أحد في هذه المدة الطويلة لأمر يريده الله.

فهذه الأمور وما أشبهها دليل على كمال قدرة الله وحكمته، مع أن يوسف بقي مدةً الله أعلم بها وهو في بيت العزيز، ثم مدة وهو في السجن، ثم ترقَّى إلى تدبير الملك، ولم يخطر ببال أحد أن ينتقل من الرق والسجن إلى الملك العظيم.

ثم إنه وقت تولِّيه يغلب على الظن أنه اشتهر عند الناس باسم المنصب والوزير للملك، ولا يكاد أحد يعرف اسمه كما هو الغالب على الملوك وأشباههم، ولهذا تردَّد إخوته عليه فعرفهم، وهم لا يعرفونه؛ لما هو فيه من بهجة الولاية، وأيضًا قد فارقوه وهو صغير، ولم يَرَوْه إلا بعدما كبر، ومعلوم أن أوصاف الإنسان تتغيَّر إذا وصل إلى سنِّ الكهولة، والله أعلم.

هذا من جهة يعقوب وأولاده، أما من جهة يوسف فإنه قد علم وقصد التأخير ليبلغ الكتاب أجله، ولهذا تردَّد عليه إخوته وقد عرفهم، ولم يعرِّفهم بنفسه، ولم يستدعِ أبوَيْه وأهله إلا في نهاية الأمر.

هذا ما يسَّر الله من الفوائد والعِبَر في هذه القصة المباركة، ولا بدَّ أن يظهر للمتدبِّر المتفكر غير ذلك، فنسأله تعالى علمًا نافعًا وعملًا متقبلًا، إنه جوادٌ كريمٌ.

* * *

<<  <   >  >>