للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

ومنها: أنه ينبغي لمن أنعم الله عليه بنعمةٍ بعد شدّة وفقر وسوء حال أن يعترف بنعمة الله عليه، وأن لا يزال ذاكرًا حاله الأولى؛ ليُحدث لذلك شكرًا كلما ذكرها؛ لقول يوسف : ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾.

ومنها: ما منَّ الله به على يوسف من حسن عفوه عن إخوته، وأنه عفا عما مضى، ووعد في المستقبل ألا يُثَرِّب عليهم، ولا يذكر منه شيئًا؛ لأنه يجرحهم ويُحزنهم، وقد أبدوا الندامة التامة، ولأجل هذا قال: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠]، ولم يقل: من بعد أن نزغهم، بل أضاف الفعل إلى الشيطان الذي فرَّق بينه وبين إخوته، وهذا من كمال الفتوة وتمام المروءة.

ومنها: لطف الله العظيم بيوسف؛ حيث نقله في تلك الأحوال، وأوصل إليه الشدائد والمحن؛ ليوصله بها إلى أعلى الغايات ورفيع الدرجات.

ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يتضرع إلى الله دائمًا في تثبيت إيمانه، ويُعْمَلَ الأسباب الموجبة لذلك، ويسأل الله حُسْنَ الخاتمة وتمام النعمة، ويتوسل بنعمه الحاصلة إلى ربه أن يُتمَّها عليه ويُحسِن له العاقبة؛ لقول يوسف : ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، وليس هذا من يوسف تمنيًا للموت كما ظنه بعضهم، بل هو دعاء الله أن يُحْسِن خاتمته ويتوفاه على الإسلام، كما يسأل العبد ربه ذلك كل وقت.

إذا قيل: كيف خَفِيَ موضع يوسف على يعقوب وما بينهما إلا مسافة قليلة مع طول المدة وقوة الداعي المُلِحِّ، وعِلْمِه أنه على الوجود، وحرصه الشديد على لُقياه؟

فالجواب: ليس ذلك بغريب على قدرة الله، فإن الأسباب وإن قَوِيَت جدًّا لا خروج لها عن قضاء الله وقدره؛ فإن الله تعالى أراد ألا يحصل الاجتماع إلا في

<<  <   >  >>