للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

فتمَّ بذلك الأجر وحصل السرور، وعُلِمَ من ذلك أنَّ الله يبتلي أنبياءه وأولياءه وأصفياءه بالشدَّة والرَّخاء، والسرور والحزن، واليسر والعسر؛ ليمتحن صبرهم وشكرهم، ولستخرج منهم عبوديته في الحالين؛ بالشكر عند الرخاء، والصبر عند الشدة والبلاء، فتتم عليهم بذلك النعماء، ويزداد بذلك إيمانهم ويقينهم وعِرْفانهم، كما ابتلى يعقوب ويوسف، وكذلك غيرهم من أنبيائه وأصفيائه.

ومنها: جواز إخبار الإنسان بما يجد، وما هو فيه من مرضٍ أو فقرٍ ونحوهما، على غير وجه التسخُّط؛ لأنَّ إخوة يوسف قالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾، وأقرَّهم يوسف على ذلك ولم يُنْكِرْ عليهم.

ومنها: جواز سؤال الخَلْق، خصوصًا الملوك عند الضرورة؛ لقول إخوة يوسف: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨]، فإنهم سألوا المحاباة في المعاملة والصدقة بدون عِوَض، وإنما قلت: خصوصًا الملوك؛ لأنهم لا يُسألون من أموالهم الخاصة، وإنما يُسألون من بيت المال، الذي هو للمصالح العمومية، وأهم المصالح دفع ضرورة المضطرين.

ومنها: فضيلة التقوى والصبر، وأنَّ كلَّ خير في الدنيا والآخرة فمن آثار التقوى والصبر، وأنَّ عاقبة أهلهما أحسن العواقب؛ لقوله: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وأن إخبار العبد من نفسه بحصول التقوى والصبر إذا كان صدقًا، وفي ذلك مصلحة من باب التحدث بنعمة الله، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، وهي تشمل نعم الدنيا ونعم الدين، وأن الله يجمع للمتقين بين خيري الدنيا والآخرة كما في هذه الآية والآية السابقة، وهي قوله: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٦، ٥٧].

<<  <   >  >>