للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

قد ابيضَّت عيناه من الحزن، وذهب بصره، فجعل الله شفاءه وإبصاره بقميص يوسف حين ألقاه على وجهه فارتدَّ بصيرًا لما كان فيه من رائحة يوسف، الذي كان داءُ عينيه من حزنه عليه، فصار شفاؤه الوحيد مع لُطف الله في قميص جسده. ومن قال: إن القميص من الجنة، فليس عنده بذلك دليل، والله قادر على أن يشفيه من دون سبب، ولكنه حكيم جعل الأمور تجري بأسباب ونظامات قد تهتدي العقول إلى معرفتها وقد لا تهتدي، ونظير ذلك أيوب وصل به المرض والضر إلى حالة تعذَّر منها الشفاء، وأعيت الأطباء، فحيث أراد الله شفاءه أمره أن يركض برجله الأرض، فأنبع له عينًا باردة، وأمره أن يشرب منها ويغتسل، فأذهب الله ما في باطنه وظاهره من هذا الضرر، وعاد كأحسن ما أنت راءٍ، قال تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، فهو تعالى يشفي العباد بأدوية وأسباب حسية، وبأسباب ربانية معنوية: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧]، كما أنه تعالى يُوجد الأشياء بأسباب حسية معلومة، وبأسباب ربانية لا تهتدي العقول إليها، كما في معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، وآياته النفسية والكونية، وهو المحمود على هذا وعلى هذا.

ومنها: أنَّ الفرج مع الكرب؛ وأنَّ مع العسر يسرًا؛ فإنَّه لما طال الحزن على يعقوب واشتدَّ به إلى أنهى ما يكون، وقال: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾، ثم قال: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾، ثم حصل الاضطرار لآل يعقوب ومسَّهم الضرُّ حين دخلوا على يوسف وقفوا بين يديه موقف المضطر، فقالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾، أي: قليلة حقيرة لا تقع الموقع، ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾، فحينئذ لما بلغ الضر منتهاه من كل وجه أذن الله بالفرج، فحصل التلاقي في أشدِّ الأوقات إليه حاجة واضطرارًا،

<<  <   >  >>