للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

قابلوها في أول الأمر بالصبر والاستعانة بالمولى، وعندما ينتهي وتبلغ الشدة منتهاها يقابلونها بالصبر والطمع في الفرج والرجاء، فيوفّقهم الله للقيام بعبوديته في الحالتين، ثم إذا كشف عنهم البلاء قابلوا ذلك بالشكر والثناء على الله، وزيادة المعرفة بلطفه؛ لقول يوسف: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠].

ومنها: هذه المحنة العظيمة التي امتحن الله بها نبيه وصفيه يعقوب ؛ حيث قضى بالفراق بينه وبين ابنه يوسف الذي لا يقدر على فراقه ساعةً واحدةً هذه المدة الطويلة، ويحزنه ذلك أشدَّ الحزن، فحصل التفريق بينه وبينه مدةً طويلة يغلب على الظن أنها تبلغ ثلاثين سنة فأكثر، من ذلك أنه بقي مدة في بيت العزيز قبل السجن في الإمكان أن تكون من سبع السنين إلى العشر، أو نحو ذلك على وجه الخرص والحزر، ثم مكث بضع سنين في السجن، والأكثر أنها سبع سنين، ثم بعد خروجه دخلت السبع السنين المخصبات، فهذه نحو إحدى وعشرين سنة، ثم دخلت السبع المجدبات، وتردّد إخوة يوسف إليه مرات، والظاهر أن اللقاء كان في آخرها، فهذه تُقارب الثلاثين ونحوها، وهو في هذه المدة لم يفارقِ الحزنُ قلبه وهو دائم البكاء، ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾، ثم ازداد به الأمر شدَّة حين صار الفراق بينه وبين ابنه الثاني شقيق يوسف، وفَقَدَ بصره وهو صابرٌ لأمر الله، محتسبٌ الأجر من الله، قد وعد من نفسه الصبر الجميل، ولا شكَّ أنه وفى بما وَعَدَ به، ولا ينافي ذلك قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، فإن الشكوى إلى الله لا تُنافي الصبر، وإنما ينافي الصبر الشكوى إلى المخلوق.

ومنها: أن شفاء الأمراض كما تكون بالأدوية الحسيّة تكون بأسباب ربانية، بل يحصل بهذا النوع من أنواع الشفا ما لا يحصل بغيره، فيعقوب

<<  <   >  >>