للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فإليهم يُساق الخطاب، ويوجَّه الكلام؛ حيث إنَّ معهم من الإيمان ما يُقبِلون به على تدبر ذلك، وتلقِّيه بالقبول والاهتداء بمواقع العِبَر، ويزدادون به إيمانًا ويقينًا، وخيرًا إلى خيرهم، وأما مَنْ عداهم فلا يستفيدون منه إلا إقامة الحجة عليهم، وصانَه الله عنهم، وجعل بينهم وبينه حجابًا أن يفقهوه.

فأول هذه القصة: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ في ملكه وسلطانه وجنوده وجبروته، فصار من أهل العلوِّ فيها، لا من الأعلَيْن فيها، ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾، أي: طوائف متفرقة، يتصرَّف فيهم بشهوته، وينفِّذ فيهم ما أراد من قهره وسطوته، ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ وتلك الطائفةُ هم بنو إسرائيل، الذين فضَّلهم الله على العالمين، الذين ينبغي له أن يكرمهم ويجلَّهم، ولكنه استضعفهم، بحيثُ إنه رأى أنَّهم لا منعة لهم تمنعهم مما أراده فيهم، فصار لا يُبالي بهم، ولا يهتمُّ بشأنهم، وبلغت به الحال إلى أنَّه ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ خوفًا من أن يكثروا، فيغمروه في بلاده، ويصير لهم الملك. ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ الذين لا قَصْدَ لهم في إصلاح الدين، ولا إصلاح الدنيا، وهذا من إفساده في الأرض.

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بأن نُنزِل عنهم موادَّ الاستضعاف، ونُهلك مَنْ قاومهم، ونخذل من ناوأهم، ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ في الدين، وذلك لا يحصلُ مع استضعاف، بل لا بدَّ من تمكين في الأرض، وقدرةٍ تامةٍ، ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ للأرض، الذين لهم العاقبة في الدنيا قبل الآخرة.

﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، فهذه الأمور كلُّها، قد تعلَّقت بها إرادة الله، وجرتْ بها مشيئته، وكذلك نريد أن نُري ﴿فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ وزيره ﴿وَجُنُودَهُمَا﴾ التي بها صالوا وجالوا، وعَلَوْا وبَغَوْا، ﴿مِنْهُم﴾، أي: من هذه الطائفة المستضعفة ﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ من إخراجهم من ديارهم، ولذلك كانوا يَسْعَوْن في قمعهم، وكسْر شوكتهم، وتقتيل أبنائهم، الذين هم محلُّ ذلك؛

<<  <   >  >>