للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

[فوائد من هذه القصة]

فمنها: أنَّ آياتِ الله تعالى وعِبَرَه وأيامَه في الأمم السابقة إنَّما يستفيدُ بها ويستنيرُ المؤمنون؛ فعلى حسب إيمان العبد تكون عِبْرَتُه، وإنَّ الله تعالى إنَّما يسوقُ القصص لأجلهم؛ كما قال اللهُ تعالى في هذه القصة: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، وأما غيرُهم فلا يعبأ الله بهم، وليس لهم منها نورٌ وهدى.

ومنها: أنَّ الله تعالى إذا أراد أمرًا هيَّأ أسبابه، وأتى بها شيئًا فشيئًا بالتدريج، لا دفعة واحدة.

ومنها: أنَّ الأمة المستضعفة - ولو بلغت في الضعف ما بلغت - لا ينبغي لها أن يستولي عليها الكسلُ عن طلبِ حقِّها، ولا الإياسُ من ارتقائها إلى أعلى الأمور، خصوصًا إذا كانوا مظلومين؛ كما استنقذ الله أمة بني إسرائيل الأمة الضعيفة من أَسْر فرعون وملئه، ومكنهم في الأرض، وملكهم بلادهم.

ومنها: أنَّ الأمة ما دامت ذليلةً مقهورةً لا تأخُذُ حقَّها ولا تتكلَّم به لا يقوم لها أمرُ دينها ولا دُنياها، ولا يكون لها إمامةٌ فيه.

ومنها: لطف الله بأُمِّ موسى بذلك الإلهام الذي به سَلِمَ ابنها، ثم تلك البشارة من الله لها بردِّه إليها، التي لولاها لقضى عليها الحزن على ولدها، ثم ردَّهُ إليها بإلجائه إليها قدَرًا بتحريم المراضع عليه، وبذلك يُعْلَم أن ألطاف الله على أوليائه لا تتصوَّرها العقول، ولا تعبِّر عنها العبارات، وتأمَّل موقع هذه البشارة، وأنه أتاها ابنها تُرْضِعه جهرًا، وتأخذُ عليه أجرًا، وتسمى أمه شرعًا وقدَرًا، وبذلك اطمأنَّ قلبها، وازداد إيمانها، وفي هذا مصداق لقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦]،

<<  <   >  >>