للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

فلا أكره لأم موسى من وقوع ابنها بيد آل فرعون، ومع ذلك ظهرت عواقبه الحميدة، وآثاره الطيبة.

ومنها: أنَّ الله يُقدِّرُ على عبده بعضَ المشاقِّ؛ ليُنيلَه سرورًا أعظم من ذلك، أو يدفعَ عنه شرًّا أكثر منه، كما قدَّر على أمِّ موسى ذلك الحزن الشديد، والهمَّ البليغ الذي هو وسيلةٌ إلى أن يصِلَ إليها ابنُها على وجهٍ تطمئنُّ به نفسُها، وتَقَرُّ به عينُها، وتزداد به غبطةً وسرورًا.

ومنها: أنَّ الخوف الطبيعيَّ من الخلق لا يُنافي الإيمان ولا يُزيلُه؛ كما جرى لأمِّ موسى ولموسى من تلك المخاوف.

ومنها: أنَّ الإيمان يزيد وينقص؛ لقوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وأنَّ من أعظم ما يزيدُ به الإيمان، ويتمُّ به اليقينُ: الصبرُ عند المزعجات، والتثبيت من الله عند المقلقات، كما قال تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: ليزداد إيمانُها بذلك ويطمئنَّ قلبُها.

ومنها: أنَّ من أعظم نِعَم الله على عبده، وأعظم معونةٍ للعبد على أموره؛ تثبيتُ الله إيَّاه، ورَبْطُ جأشِهِ وقلبه عند المخاوف، وعند الأمور المذهلة؛ فإنَّه بذلك يتمكَّن من القول الصواب، والفعل الصواب؛ بخلاف من استمرَّ قلقهُ ورَوْعُه وانزعاجه؛ فإنَّه يضيع فِكْرُه، ويذهل عقله؛ فلا ينتفعُ بنفسه في تلك الحال.

ومنها: أنَّ العبد ولو عرف أنَّ القضاء والقدر حق، ووَعْد الله نافذٌ لا بدَّ منه؛ فإنَّه لا يهمل فِعْلَ الأسباب التي أُمِرَ بها، فإن الأسباب والسعي فيها من قَدَر الله، ولا يكون ذلك منافيًا لإيمانه بخبر الله؛ فإنَّ الله قد وعد أمَّ موسى أن يردَّه عليها، ومع ذلك اجتهدت على ردِّه لما التقطه آل فرعون، وأرسلت أخته لتقُصَّه وتطلُبَه.

<<  <   >  >>