فكل هذا قد أراده الله، وإذا أراد أمرًا سهّل أسبابه، ونهج طرقه، وهذا الأمر كذلك؛ فإنه قدّر وأجرى من الأسباب - التي لم يشعر بها لا أولياؤه ولا أعداؤه - ما هو سبب موصل إلى هذا المقصود.
فأول ذلك لما أوجد الله رسوله موسى الذي جعل استنقاذ هذا الشعب الإسرائيلي على يديه وبسببه، وكان في وقت تلك المخافة العظيمة التي يُذبّحون بها الأبناء، أوحى إلى أمّه أن تُرضعه، ويمكث عندها، ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ بأن أحَسَسَتِ أحدًا تخافين عليه منه أن يوصله إليهم، ﴿فأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ أي: نيل مصر، في وسط تابوتٍ مُغْلَق، ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فبشّرها بأنَّه سيردُّه عليها، وأنه سيكبر ويَسْلَم من كيدهم، ويجعله الله رسولًا، وهذا من أعظم البشائر الجليلة، وتقديم هذه البشارة لأم موسى؛ ليطمئن قلبها، ويسكن رَوْعُها، فكأنّها خافت عليه، وفعلت ما أُمرت به؛ ألقته في اليمّ، فساقه الله تعالى حتى التقطه ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾، فصار من لَقْطهم، وهم الذين باشروا وُجدانه؛ ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ أي: لتكون العاقبة والمآلُ من هذا الالتقاط أن يكون عدوًا لهم وحَزَنًا يحزُنُهم؛ بسبب أنّ الحذر لا ينفع من القدر، وأنّ الذي خافوا منه من بني إسرائيل قيّض الله أن يكون زعيمهم يتربّى تحت أيديهم، وعلى نظرهم، وبكفالتهم.
وعند التدبر والتأمل تجدُ في طيّ ذلك من المصالح لبني إسرائيل، ودَفْع كثير من الأمور الفادحة بهم، ومَنْع كثير من التعدّيات قبل رسالته؛ بحيث إنّه صار من كبار المملكة، وبالطبع إنَّه لا بدَّ أن يحصل منه مدافعة عن حقوق شعبه، هذا وهو هو ذو الهمة العالية والغيرة المتوقّدة، ولهذا وصلت الحال بذلك الشعب المستضعف - الذي بلغ بهم الذُّلُّ والإهانةُ إلى ما قصَّ الله علينا بعضه - أنْ صار بعض أفراده ينازعُ ذلك الشعب القاهر العالي في الأرض، كما سيأتي بيانه، وهذا مقدمةٌ للظُّهور؛ فإنَّ الله تعالى من سنَّتِه الجارية أن