للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

جعل الأمور تمشي على التدريج شيئًا فشيئًا، ولا تأتي دفعةً واحدةً، وقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾، أي: فأردنا أن نعاقبهم على خطئهم ونكيدهم، جزاءً على مكرهم وكيدهم.

فلما التقطهُ آل فرعون حنَّن الله عليه امرأة فرعون الفاضلة الجليلة المؤمنة آسية بنت مزاحم، ﴿وَقَالَتِ﴾: هذا الولدُ ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾، أي: أبقِه لنا؛ لتقرَّ به أعينُنا، ونسرَّ به في حياتنا، ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، أي: لا يخلو: إما أن يكونَ بمنزلة الخدم الذين يسعون في نفعنا وخدمتنا، أو نرقِّيه درجةً أعلى من ذلك؛ نجعلهُ ولدًا لنا، ونكرمُه ونُجِلُّه، فقدر الله تعالى أنَّه نفع امرأة فرعون التي قالت تلك المقالة؛ فإنَّه لما صار قُرَّة عينٍ لها، وأحبَّته حبًا شديدًا، فلم يَزَلْ لها بمنزلة الولد الشفيق حتى كبُر ونبَّأه الله وأرسله، فبادرتْ إلى الإسلام والإيمان به، وأرضاها، قال الله تعالى عن هذه المراجعات والمقاولات في شأن موسى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ما جرى به القلمُ، ومضى به القدرُ؛ من وصوله إلى ما وصل إليه، وهذا من لطفه تعالى؛ فإنَّهم لو شَعروا لكان لهم وله شأنٌ آخر.

ولما فقدتْ موسى أمُّه حزنت حزنًا شديدًا، وأصبح فؤادها فارغًا من القلق الذي أزعجها على مقتضى الحالة البشريَّة، مع أنَّ الله تعالى نهاها عن الحزن والخوف، ووعدها بردِّه، ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي: بما في قلبها، ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ فثبَّتناها، فصبرتْ، ولم تُبْدِ به؛ ﴿لِتَكُونَ﴾ بذلك الصبر والثبات ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فإنَّ العبد إذا أصابته مصيبةٌ فصبر وثبت ازداد بذلك إيمانه، ودلَّ ذلك على أنَّ استمرار الجزع مع العبد دليلٌ على ضعف إيمانه.

﴿وَقَالَتْ﴾ أمُّ موسى ﴿لِأُخْتِهِ، قُصِّيهِ﴾، أي: اذهبي فقصِّي الأثر عن أخيك، وابحثي عنه، من غير أن يُحسَّ بك أحدٌ أو يشعروا بمقصودك، فذهبت تقصُّه، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، أي: أبصرته على وجهٍ،

<<  <   >  >>