للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

كَأنَّها مارَّةٌ لا قصدَ لها فيه، وهذا من تمام الحزم والحذر؛ فإنَّها لو أبصرته، وجاءتْ إليهم قاصدةً؛ لظنُّوا بها أنها هي التي ألقته، فربَّما عزموا على ذبحه عقوبةً لأهله، ومن لُطْفِ الله بموسى وأمه أنْ مَنَعَهُ من قبول ثدي امرأةٍ، فأخرجوه إلى السوق رحمةً به، ولعل أحدًا يطلبُه، فجاءت أخته وهو بتلك الحال، ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾، وهذا جُلُّ غرضهم؛ فإنَّهم أحبُّوه حبًّا شديدًا، وقد منعهُ الله من المراضع، فخافوا أن يموت، فلما قالت لهم أخته تلك المقالة المشتملة على الترغيب في أهل هذا البيت بتمام حفظه وكفالته والنُّصح له بادروا إلى إجابتها، فأعلمتهم ودلَّتهم على أهل هذا البيت، ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ كما وعدناها بذلك، ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ بحيث إنَّه تربَّى عندها على وجهٍ تكون فيه آمنةً مطمئنةً تفرح به وتأخذ الأجرة الكثيرة على ذلك، ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، فأريناها بعضَ ما وعدناها به عيانًا؛ ليطمئنَّ بذلك قلبُها، ويزدادَ إيمانها، ولتَعْلم أنَّه سيحصُلُ وعدُ الله في حفظه ورسالته، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فإذا رأوا السبب متشوِّشًا شوَّشَ ذلك إيمانهم؛ لعدم علمهم الكامل أنَّ الله تعالى يجعلُ المحَنَ والعقباتِ الشاقَّةَ بين يدي الأمور العالية والمطالب الفاضلة.

فاستمرَّ موسى عند آلِ فرعون، يتربَّى في سلطانهم، ويركبُ مراكبَهم، ويلبَسُ ملابسهم، وأمُّه بذلك مطمئنةٌ، قد استقرَّ أنَّها أمُّه من الرضاع، ولم يُستنكرْ ملازمتُه إيَّاها وحنوُّها عليه، وتأمَّل هذا اللطف، وصيانة نبيِّه موسى من الكذب في منطقه، وتيسير الأمر الذي صار به التعلُّق بينه وبينها، الذي بانَ للناس أنه هو الرضاعُ الذي بسببه يسمِّيها أُمًّا، فكان الكلام الكثير منه ومن غيره في ذلك كلِّه صدقًا وحقًّا.

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ

<<  <   >  >>