للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فأخبر بألوهيّته وربوبيته، ويلزم من ذلك أن يأمره بعبادته وتألُّهه، كما صرّح به في الآية الأخرى، ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.

﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾، فألقاها ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ تسعى سعيًا شديدًا، ولها صورةٌ مهيلة ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ ذكَرُ الحيات العظيم، ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾، أي: يرجع لاستيلاء الرَّوْع على قلبه، فقال الله له: ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾، وهذا أبلغُ ما يكون في التأمين، وعدم الخوف؛ فإنّ قوله: ﴿أَقْبِلْ﴾ يقتضي الأمر بإقباله، ويجب عليه الامتثال، ولكن قد يكونُ إقباله، وهو لم يَزَل في الأمر المَخُوف، فقال: ﴿وَلَا تَخَفْ﴾، أمر له بشيئين: إقباله، وأن لا يكون في قلبه خوفٌ، ولكن يبقى احتمالٌ، وهو أنَّه قد يُقْبِل وهو غير خائفٍ، ولكن لا تحصل له الوقاية والأمن من المكروه، فقال: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾، فحينئذٍ اندفع المحذور من جميع الوجوه، فأقبل موسى غير خائف ولا مرعوب، بل مطمئنا واثقًا بخبر ربه، قد ازداد إيمانه، وتمّ يقينه، فهذه آيةٌ أراه الله إيّاها قبل ذهابه إلى فرعون؛ ليكون على يقين تام، فيكون أجرأ له، وأقوى وأصلب، ثم أراه الآية الأخرى، فقال: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾، أي: أَدْخِلْها ﴿فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، فسلكها وأخرجها، كما ذكر الله تعالى، ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾، أي: ضُمَّ جناحك - وهو عضُدُك - إلى جنبك؛ ليزول عنك الرَّهَب والخوف، ﴿فَذَانِكَ﴾؛ انقلاب العصا حيّةً، وخروج اليد بيضاء من غير سوء، ﴿بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾، أي: حُجَّتان قاطعتان من الله ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾، فلا يكفيهم مجرد الإنذار وأمر الرسول إيّاهم، بل لا بدَّ من الآيات الباهرة، إن نفعت، فقال موسى معتذرًا من ربه، وسائلًا له المعونة على ما حَمَّلَه، وذاكرًا له الموانع التي فيه؛ ليزيل ربُّه ما يحذره منها: ﴿رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾، أي: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾، أي:

<<  <   >  >>