جُمِعوا على نظر فرعون ورسله، وأن ما جاء به موسى آية إلهيَّة، وأن السحرة قد بذلوا مجهودهم في مغالبة موسى، حتى عجزوا، وتبيَّن لهم الحق، فاتبعوه، ثم توعَّدهم فرعون بقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما أحلَّ بكم من العقوبة.
﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِنْ خِلَافٍ﴾ زعم الخبيثُ أنَّهم مفسدون في الأرض، وسيصنع بهم ما يصنع بالمفسدين؛ من تقطيع الأيدي والأرجل من خلافٍ، أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى، ﴿ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ في جذوع النخل؛ لتُخْتَزُوا (١) بزعمه ﴿أَجْمَعِينَ﴾، أي: لا أفعل هذا الفعل بأحدٍ دون أحدٍ، بل كلُّكم سيذوق هذا العذاب. فقال السحرة الذين آمنوا لفرعون حين تهدَّدهم: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾، أي: فلا نبالي بعقوبتك؛ فالله خير وأبقى، فاقض ما أنت قاضٍ، ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾، أي: وما تعيب منَّا على إنكارك علينا وتوعُّدك لنا، فليس لنا ذنبٌ ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾، فإن كان هذا ذنبًا يُعاب عليه، ويستحق صاحبه العقوبة، فهو ذنبنا، ثم دعوا الله أن يثبتهم ويصبرهم، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ﴾، أي: أفِضْ ﴿عَلَيْنَا صَبْرًا﴾، أي: عظيمًا، كما يدلُّ عليه التنكير؛ لأنَّ هذه محنة عظيمة، تؤدي إلى ذهاب النفس، فيحتاج فيها من الصبر إلى شيء كثير؛ ليثبت الفؤاد، ويطمئن المؤمن على إيمانه، ويزول عنه الانزعاج الكثير، ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾، أي: منقادين لأمرك، متبعين لرسولك، والظاهر أنه أوقع بهم ما توعدهم عليه، وأنَّ الله تعالى ثبّتهم على الإيمان.
هذا وفرعون وملؤه وعامتهم المتَّبعون للملأ قد استكبروا عن آيات الله، وجحدوا بها ظلمًا وعُلُوًّا، وقالوا لفرعون مهيِّجين له على الإيقاع بموسى، وزاعمين أن ما جاء باطل وفساد: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالدعوة إلى الله، وإلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، التي هي الصلاح في الأرض، وما هم عليه هو الفساد، ولكنَّ الظالمين لا يبالون بما يقولون،