﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾، أي: يدعك أنت وآلهتك، وينهى عنك، ويصد الناس عن اتباعك، فقال فرعونُ مجيبًا لهم بأنه سَيَدَعُ بني إسرائيل مع موسى بحالةٍ لا يَنْمُون فيها، ويأمنُ فرعون وقومه بزعمه من ضررهم: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾، أي: نستبقيهنَّ فلا نقتلهنَّ، فإذا فعلنا ذلك أمِنَّا من كثرتهم، وكنَّا مستخدمين لباقيهم، ومسخِّرين لهم على ما نشاء من الأعمال، ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ لا خروج لهم عن حكمنا ولا قدرة، وهذا نهاية الجبروت من فرعون والعتو والقسوة.
فقال ﴿مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ موصيًا لهم - في هذه الحالة التي لا يقدرون معها على شيء ولا مقاومة - بالمقاومة الإلهية، والاستعانة الربانية: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾، أي: اعتمدوا عليه في جلب ما ينفعكم، ودفع ما يضرُّكم، وثقوا بالله أنه سيتمُّ أمركم، ﴿وَاصْبِرُوا﴾، أي: الزموا الصبر على ما يحلُّ بكم، منتظرين للفرج، ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ﴾ ليست لفرعون ولا لقومه حتى يتحكموا فيها، ﴿يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، أي: يداولها بين الناس على حسب مشيئته وحكمته، ولكن العاقبة للمتقين؛ فإنَّهم وإن امتحنوا مدةً ابتلاءً من الله وحكمة فإنَّ النصر لهم، ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ الحميدة لهم على قومهم، وهذه وظيفة العبد؛ أنَّه عند القدرة أن يفعل من الأسباب الدافعة عنه أذى الغير ما يقدر عليه، وعند العجز أن يصبر ويستعين الله، وينتظر الفرج، ﴿قَالُوا﴾ لموسى متضجرين من طول ما مكثوا في عذاب فرعون وأذيَّته: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾، فإنهم يسوموننا سوء العذاب، يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا، ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ كذلك، فقال لهم موسى مرجيًا لهم الفرج والخلاص من شرِّهم: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: يمكنكم فيها، ويجعل لكم التدبير فيها، ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، هل تشكرون أم تكفرون، وهذا وعدٌ أنجزه الله لما جاء الوقت الذي أراده الله.