وبواديهم، ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ يُعجِبُ الناظرين، ويُلهي المتأمِّلين؛ تمتَّعوا به دهرًا طويلًا، وقضوا بلذَّاته وشهواته عمرًا مديدًا على الكفر والفساد، والتكبُّر على العباد والتيه العظيم، ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا﴾، أي: هذه البساتين والعيون، والزّروع، والمقام الكريم، ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الذين جعلوهم من قَبْلُ عبيدَهم، وسُخِّروا في أعمالهم الشاقة، فسبحان مَنْ يؤتي الملك مَنْ يشاء، وينزِعُه عمَّن يشاء، ويُعزُّ من يشاء بطاعته، ويذلُّ من يشاء بمعصيته.
﴿فَأَتْبَعُوهُم مُشْرِقِينَ﴾، أي: اتَّبع قومُ فرعون قومَ موسى وقت شُرُوقِ الشمس، وساقوا خلفهم مُحثِّين على غَيْظٍ وحنق قادرين، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾، أي: رأى كلُّ منهما صاحبه، ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى﴾ شاكين لموسى وحزِنين: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فقال موسى مُثبِّتًا لهم، ومُخبِرًا لهم بوعدِ ربِّه الصادق: ﴿كَلَّا﴾، أي: ليس الأمر كما ذكرتُم أنَّكم مُدركون، ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ لما فيه نجاتي ونجاتكم، ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ فضربه، ﴿فَانفَلَقَ﴾ اثني عشر طريقًا، ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّودِ﴾، أي: الجبل ﴿الْعَظِيمِ﴾، فدخله موسى وقومه، ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ﴾ في ذلك المكان ﴿الْآخَرِينَ﴾، أي: فرعون وقومه، قرَّبناهم، وأدخلناهم في ذلك الطريق الذي سلك منه موسى وقومه، ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ استكملوا خارجين، لم يتخلَّف منهم أحَدٌ، ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ لم يتخلَّف منهم عن الغرق أحَدٌ.
حتى إذا أدرك فرعونُ الغرقَ، وجزم بهلاكه؛ ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾، وهو الله الإله الحقُّ الذي لا إله إلا هو، ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾،