للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

عليهم ويرهقهم، فإنَّ هذا مدعاةٌ إلى النفور منه والسامة، بل يأخذ المتيسِّر ليتيسر له الأمر.

ومنها: أنَّ الأمور تجري أحكامها على ظاهرها، وتُعلَّق بها الأحكام الدنيوية؛ في الأموال، والدماء، وغيرها؛ فإنَّ موسى أنكر على الخضر خَرْقَه السفينة، وقَتْلَ الغلام، وأنَّ هذه الأمور ظاهرها، أنها من المنكر، وموسى لا يسعه السكوت عنها في غير هذه الحال التي صَحِب عليها الخضر، فاستعجل ، وبادَرَ إلى الحكم في حالتها العامة، ولم يلتفت إلى هذا العارض الذي يوجب عليه الصبر، وعدم المبادرة إلى الإنكار.

ومنها: القاعدة الكبيرة الجليلة، وهو أنَّه يُدْفَع الشرُّ الكبير بارتكاب الشر الصغير، ويُراعَى أكبر المصلحتين بتفويت أدناهما؛ فإنَّ قتل الغلام شرّ، ولكنَّ بقاءه حتى يفتن أبوَيْه عن دينهما أعظم شرًّا منه، وبقاء الغلام من دون قتل وعصمته وإن كان يظنُّ أنه خيرٌ؛ فالخير ببقاء دين أبويه، وإيمانهما خيرٌ من ذلك؛ فلذلك قتله الخضر، وتحت هذه القاعدة من الفروع والفوائد ما لا يدخل تحت الحصر، فتزاحم المصالح والمفاسد كلُّها داخلٌ في هذا.

ومنها: القاعدة الكبيرة، أيضًا، وهي أنَّ عمل الإنسان في مال غيره، إذا كان على وجه المصلحة وإزالة المفسدة أنَّه يجوز، ولو بلا إذنٍ، حتى ولو ترتَّب على عمله إتلاف بعض مال الغير؛ كما خرق الخضر السفينة لتعيب، فتسلَم من غَصْب الملك الظالم؛ فعلى هذا لو وقع حرقٌ، أو غرق، أو نحوهما، في دار إنسانٍ أو ماله، وكان إتلافُ بعض المال، أو هدمُ بعض الدار فيه سلامةٌ للباقي جاز للإنسان، بل شُرع له ذلك حفظًا لمال الغير، وكذلك لو أراد ظالمٌ أخذ مال الغير، ودفع إليه إنسانٌ بعض المال افتداءً للباقي؛ جاز ولو من غير إذن.

ومنها: أن العمل يجوز في البحر كما يجوز في البر؛ لقوله: ﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾، ولم ينكر عليهم عملهم.

<<  <   >  >>